أخبار عربية ودولية

«عقدة الأراضي» على حالها | قمة ترامب – زيلينسكي: تقدُّم غير ناجز

لندن | انتهت قمّة فلوريدا التي جمعت الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، إلى نظيره الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، مساء أول أمس، بمزيج من التقدّم الديبلوماسي الملموس في ملفات الضمانات الأمنية، والجمود المستمرّ في الملفّات الجغرافية والسياسية الأكثر تعقيداً. وفي حين غادر الزعيمان منتجع «مار إيه لاغو» الباذج في بالم بيتش، بتصريحات متفائلة تصف المحادثات بـ«الرائعة» و«المثمرة»، كشفت التفاصيل اللاحقة عن سباق محموم بين محاولات تثبيت «صفقة القرن» الأوكرانية، وبين الواقع الميداني الذي ازداد تعقيداً بعد الكشف عن محاولة استهداف مقرّ للرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، وهجمات عسكرية روسية واسعة النطاق.

وفيما أكّد زيلينسكي، أنّ «خطّة السلام» الأميركية المكوّنة من 20 نقطة بات متّفقاً عليها بنسبة 90%، مضيفاً أنّ «الضمانات الأمنية» بين الولايات المتحدة وأوكرانيا تم الاتفاق عليها بنسبة 100%، تبنّى ترامب تقديراً مشابهاً، لافتاً إلى أنّ الضمانات الأمنية «قريبة من الإنجاز بنسبة 95%»، لكنه استدرك بوجود «مسألة أو اثنتين شائكتَين للغاية» لا تزالان من دون حلّ. وتتمحور العقدة الرئيسة، وفق الرئيس الأميركي، حول مسألة «الأراضي»؛ إذ أقرّ ترامب بأنّ الوضع المستقبلي لإقليم دونباس لا يزال «غير محسوم»، رغم تأكيده «تقارب وجهات النظر». ويعكس هذا الإقرار صعوبة ترجمة مطالبات كييف النظرية إلى خرائط واقعية، في ظلّ سيطرة القوات الروسية على 20% من مساحة أوكرانيا، وتمسُّك الكرملين بضمّ هذه الأراضي دستوريّاً.

وبحسب مطّلعين على سير المحادثات، قدّم زيلينسكي في أثناء الاجتماع مقترحات مثيرة للجدل حول مستقبل المناطق الشرقية، إذ طرح خيار إنشاء «منطقة اقتصادية حرّة» أو «منطقة منزوعة السلاح» في دونباس، كبديل من الانسحاب الكامل أو التنازل عن السيادة. وأوضح زيلينسكي للصحافيين أنّ المفاوضين الأميركيين يبحثون إمكانية انسحاب القوات الأوكرانية والروسية لمسافات محدّدة (5، 10، أو 40 كيلومتراً) من خطّ الجبهة لإنشاء المنطقة العازلة، شريطة أن تخضع هذه الأخيرة إلى إدارة شرطية أوكرانية، مؤكّداً رفض وجود أيّ شرطة روسية أو قوات موالية لموسكو داخل تلك المناطق. وقال: «هناك خياران: إمّا أن تستمرّ الحرب، أو يتمّ تقرير شيء ما بخصوص جميع المناطق الاقتصادية المحتملة». ويواجه هذا المقترح تحدّيات لوجستية وسياسية هائلة؛ فالقوات الروسية تتمركز حالياً على بعد حوالى 40 كيلومتراً شرق مدن «الحزام المحصّن» الأوكرانية (سلوفيانسك وكراماتورسك)، وتصرّ على سيطرتها الكاملة على إقليم دونباس، كشرط مسبق لأيّ تسوية، ما يجعل قبولها بانسحاب متبادل أمراً مشكوكاً فيه.

ويبدو أنّ الضمانات الأمنية شكّلت المحور الرئيس للمحادثات، حيث تسعى كييف إلى الحصول على التزامات دفاعية صلبة تعوّضها عن تأجيل عضوية «حلف شمال الأطلسي». وتتضمّن هذه الضمانات بنوداً تحاكي «المادة الخامسة» من ميثاق «الناتو»، وتلزِم الولايات المتحدة والحلفاء الأوروبيين بردّ عسكري منسّق في حال تعرّضت أوكرانيا إلى غزو جديد، بالإضافة إلى السماح لكييف بالاحتفاظ بجيش قوامه 800 ألف جندي في وقت السلم، وهو رقم يعكس رغبةً أوكرانية في الحفاظ على قدرة الردع الذاتي.

لكن في الوقت الذي كانت فيه الديبلوماسية تحاول تدوير الزوايا في «مار إيه لاغو»، انفجر لغم جديد في العلاقات الروسية – الأوكرانية، مع إعلان وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن تعرُّض مقرّ إقامة حكومي للرئيس فلاديمير بوتين، في منطقة نوفغورود، لهجوم بطائرات مسيرة أوكرانية الليلة الماضية. وتحدّث لافروف عن تدمير 91 طائرة مسيّرة، واصفاً الحادثة بأنها «عمل إرهابي» يستدعي مراجعة الموقف التفاوضي، محذّراً من أنّ «هدف الردّ الروسي وتوقيته قد تمّ تحديدهما بالفعل». ومن جهته، سارع الرئيس الأوكراني إلى نفي هذه الاتّهامات جملة وتفصيلاً، واصفاً إيّاها بـ«الأكاذيب»، ومحذّراً من أنّ الكرملين يختلق تلك الروايات كـ«ذريعة» لشنّ هجمات انتقامية واسعة النطاق قد تستهدف المباني الحكومية ومراكز اتخاذ القرار في العاصمة كييف، كما حدث في أيلول الماضي. وأيّده في ذلك وزير الخارجية الأوكراني، أندري سيبيغا، الذي اعتبر أنّ «التكتيك الروسي المعتاد هو اتهام الطرف الآخر بما يخطّطون لفعله بأنفسهم»، مؤكّداً أنّ أوكرانيا تضرب فقط الأهداف العسكرية المشروعة.

وسط هذا التوتّر، أكّد البيت الأبيض استمرار قنوات الاتصال مفتوحة مع موسكو؛ إذ أعلنت الناطقة باسمه، كارولين ليفيت، أنّ ترامب أجرى مكالمة هاتفية جديدة مع بوتين، وصفتها بـ«الإيجابية». وبحسب يوري أوشاكوف، مساعد الرئيس الروسي، فقد أبلغ هذا الأخير، نظيره الأميركي بتفاصيل الهجوم المزعوم على مقرّه، في حين أبدى ترامب «صدمته» من الخبر.

وكان الرئيس الأميركي كشف، في المؤتمر الصحافي بعد قمّة «مار إيه لاغو»، أنّ بوتين «لم يوافق على وقف إطلاق النار» للسماح بإجراء استفتاءات تقرّر مصير المناطق المتنازع عليها، وهو شرط تعتبره أوكرانيا أساسيّاً لتسوية القضايا الإقليمية ديموقراطياً. وعكس ترامب موقفاً ملتبساً؛ فمن جهة أشار إلى أنّ بوتين «يريد رؤية أوكرانيا تنجح»، ومن جهة أخرى أقرّ بصعوبة إقناعه بوقف القتال.

تضع نتائج قمّة «مار إيه لاغو» وتداعياتها، الأزمة الأوكرانية في مرحلة حرجة من التفاوض تحت النار


وأتى ذلك في وقت قدّم فيه رئيس هيئة الأركان العامة الروسية، فاليري غيراسيموف، إحاطة لبوتين حول تقدّم القوات الروسية على طول خطّ المواجهة، معلناً السيطرة على 6460 كيلومتراً مربعاً من الأراضي الأوكرانية، و334 بلدة وقرية في أثناء العام الحالي. وتضع هذه البيانات الميدانية ضغوطاً هائلة على المفاوض الأوكراني، وتجعل من فكرة «الانسحاب المتبادل» التي تطرحها كييف، بعيدة في نظر القادة العسكريين الروس الذين يرون أنهم ينتصرون عسكريّاً. وتزامن الحديث عن هذا التقدّم مع استمرار الهجمات الجوية الروسية على البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا، حيث عاشت كييف ليلة قاسية قبيل سفر زيلينسكي، تعرّضت خلالها لقصف بنحو 500 مسيّرة و40 صاروخاً، ما أدّى إلى انقطاع الكهرباء والتدفئة عن أجزاء واسعة من المدينة.

وفي الخطوات القادمة، أكّد الرئيس الأوكراني أنّ فرق العمل والمستشارين الأميركيين سيصلون إلى كييف «في أثناء أيام وليس أسابيع» لوضع اللمسات الأخيرة على خطّة التسوية، مشيراً أيضاً إلى عقد اجتماع موسّع مع القادة الأوروبيين لضمان وحدة الصف الغربي. لكنه أعاد فتح قضيّة الأطفال الأوكرانيين الذين يدّعي أنّ روسيا نقلتهم من دونباس، ووصفها بأنها «القضية الأصعب»، معرباً عن تشاؤمه في شأن إمكانية استعادة جميع الأطفال، داعياً المجتمع الدولي إلى إبقاء هذه القضية حية. وفي المقابل، وقّع بوتين تعديلات قانونية جديدة تسمح لروسيا بتجاهل أحكام المحاكم الدولية والأجنبية، وذلك في خطوة استباقية لتحصين المسؤولين الروس من الملاحقة القضائية بتهم جرائم الحرب.

من جهتها، رحّبت لندن بـ«التقدّم الكبير» المحرز في محادثات فلوريدا، وإن التزمت جانب الحذر. وأكّد الناطق باسم رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، أنّ «ترامب وزيلينسكي أقرّا بوجود مجالات لا تزال بحاجة إلى العمل»، مشدّداً على أنّ دعم المملكة المتحدة لأوكرانيا يظلّ ثابتاً، لكنه رفض الخوض في تفاصيل المساهمة البريطانية في الضمانات الأمنية المستقبلية.

في المحصّلة، تضع نتائج قمّة «مار إيه لاغو» وتداعياتها، الأزمة الأوكرانية في مرحلة حرجة من التفاوض تحت النار. فبينما تحاول واشنطن هندسة هيكل أمني يرضي كييف عبر ضمانات الـ15 عاماً، وتطمينات اقتصادية من طريق مناطق التجارة الحرّة، تواصل موسكو فرض حقائقها على الجغرافيا بالقوّة العسكرية، وتردّ على المقترحات الديبلوماسية باتهامات «الإرهاب» والتقدُّم الميداني، ما يجعل الأسابيع القليلة المقبلة اختباراً حاسماً لمدى قدرة منطق الصفقات التجارية «الترامبي» على إنهاء الصراع الذي يقترب حثيثاً من دخول عامه الخامس.

سعيد محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *