طهران بمواجهة «عسكرة» الاحتجاج: لا تهاون مع خلايا «الموساد»
تشهد الساحة الإيرانية، منذ ما يزيد على أسبوعَين، احتجاجات بدأت بمطالب معيشية مُحِقَّة، لكنها سرعان ما تحوّلت إلى ساحة لمواجهة أمنية مُعقّدة. ولعلّ ممّا أعطى الحَراك الاحتجاجي المستمرّ طابعاً استثنائياً، هو الدعم العلني والسريع من أطراف وشخصيات خارجية، في مقدّمها رئيسا الحكومة و»الموساد» الإسرائيليان، والرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولم يقتصر هذا الدعم على المواقف السياسية، بل تعدّاه إلى اعترافات وتغريدات رسمية أثنت على ما وُصف بالعناصر الميدانيين، وهو ما عزّز السرديّة الرسمية الإيرانية القائلة إن الحَراك يتجاوز المطالب الشعبية إلى كونه جزءاً من «النسق الثاني» في استراتيجية استهداف العمق الإيراني، وتحويل الأزمات الداخلية إلى أوراق ضغط دولية.
وارتبطت الاحتجاجات التي انطلقت ابتداءً على خلفية غلاء المعيشة وتراجع القدرة الشرائية، بشكل عضوي بالتقلّبات الحادّة في أسعار الصرف، التي شهدت بدورها تذبذباً غير مسبوق، لم يكن نتاج عوامل اقتصادية طبيعية فحسب، بل ما يمكن وصفه بـ»حرب العملات» المنظّمة، إذ لعبت تطبيقات غير رسمية لتداول العملات، دوراً رئيساً في تضخيم الأزمة، وذلك عبر بثّ أرقام وهمية ومضاربات لحظية خلقت حالةً من الهلع المالي. وممّا عزّز هذا المناخ، جشع بعض الصرّافين غير المرخّصين، واحتكار الدولار، وعدم قدرة الحكومة على استرداد عشرات مليارات الدولارات من الدولار «المدعوم»، في الوقت الذي كان فيه بعض التجّار يجنون أرباحاً طائلة من بيع الدولار في السوق السوداء. ودفع ما تقدّم، وزير الاقتصاد إلى الطلب من وزارة الأمن والسلطة القضائية وقوى الأمن، التدخُّل العاجل لمحاسبة المقصّرين.
لكنّ الضغط الاقتصادي لم يكن سوى «البيئة الحاضنة» التي انتظرها الخارج؛ فبعد أقلّ من يومين على اندلاعها في «بازار» طهران، تمدّدت الاحتجاجات لتشمل المدن والأطراف، وتبدأ ملامح التدخُّل الخارجي تظهر بوضوح، وذلك عبر تبنّي خطاب تحريضي يهدف إلى تسييس المطالب.
لا يمكن الفصل بين ما يجري اليوم وحرب الـ12 يوماً
ومع اتّساع رقعة الاحتجاج، برز تحوُّل نوعي نحو «العسكرة» و»العنف المنظّم»، وفق ما دلّت عليه ثلاثة مؤشّرات جوهرية:
أولاً، التسلُّل الجغرافي والنوعي: بدأت الاحتجاجات المسلّحة في مناطق غرب إيران (كردستان وإيلام)، حيث تسلّلت مجموعات مُدرّبة استهدفت بشكل مباشر البنى التحتية الاقتصادية والمراكز السيادية.
ثانياً، الاحترافية والعمل الليلي: لوحظ تنظيم عالٍ في اختيار الأهداف ونوعية الأسلحة المُستخدمة، مع اعتماد شبه كامل على آليات العمل الليلي لتجنُّب الرصد، وهو ما يعكس وجود تدريب مُسبق.
ثالثاً، تفعيل الخلايا النائمة: بعدما جهّز «الموساد» خلايا نائمة لسنوات، بدأ الآن بإصدار الأوامر لتنفيذ المهامّ الموكلة إليها، مستغلّاً الغطاء الشعبي الذي وفّرته الاحتجاجات المعيشية.
بناءً عليه، يمكن القول، إنه لا فصل بين ما يجري اليوم وحرب الـ12 يوماً، والتي كشفت أوراق المجموعات المتعاملة مع «الموساد» في الداخل، بوصفها جزءاً من «خطة الضربة الأولى» أو «النسق الأول». لكن مهام هؤلاء، في حينه، كانت عسكرية بحتة، من مثل استهداف الرادارات وتسهيل دخول المُسيّرات التي ضربت الدفاع الجوي. إلّا أن فشل «النسق الأول» في تحقيق أهدافه العسكرية، وعدم انقياد الشارع يومها إلى مواجهة داخلية واسعة في ذروة الحرب، دفعا أعداء إيران إلى تأجيل استخدام ورقة الشارع.
اليوم، ومع انتهاء الحرب عسكريّاً، انتقل المحور الأميركي – الإسرائيلي إلى «النسق الثاني»، وهو الهجوم الأمني الداخلي عبر أذرع محلّية من مثل المعارضة الكردية المسلّحة، ومنظمة «خلق»، وتنظيم «جيش العدل»، واستغلال ثغرة تراجع العملة لإعادة تفعيل هذه الورقة في سياق مختلف.
أمّا السلطات الإيرانية التي قرأت ورصدت منهجية التصاعد العنفي لبعض الاحتجاجات، فهي تتعامل مع ما هو قائم باعتباره تنفيذاً لخطّة «النسق الثاني» تلك. وعلى هذه الخلفية، انتهجت مسارَين متوازيَين: الأول، المسار الاقتصادي، حيث شرعت الحكومة في تنفيذ إصلاحات حسّاسة لتثبيت سعر الصرف، ومنع استنزاف الموارد الحكومية التي تعتمد على العائدات النفطية، وقطع الطريق على المضاربين الماليين الذين يسعون إلى هزّ الاستقرار عبر التطبيقات غير الرسمية؛ كما أنها قرّرت إعادة توزيع عائدات الوفر المالي (البالغة 10 مليارات دولار) لخطّة رفع الدعم وتقديمها مباشرة إلى 85 مليون إيراني، على مدى عدّة أشهر. أمّا المسار الثاني، فأخذ طابعاً أمنيّاً، في ظلّ تعامُل الأجهزة الأمنية بحزم بالغ مع ما ترى أنه تهديد مسلّح، واتخاذها قراراً قاضياً بأن حماية الأمن القومي من خلايا «الموساد» تفوق أيّ اعتبار آخر.
وبعيداً من ضوضاء الشارع وتعقيداته الداخلية، يمكن قراءة المشهد وتأثيراته خارج الحدود، حيث يعتبر الهدف النهائي من إدخال إيران في هذه الدوامة الأمنية، ممارسةُ أقصى درجات الضغط على صانع القرار السياسي للسير نحو تفاوض مع الولايات المتحدة من موقع ضعف. وفي حال الوصول إلى هذه النقطة، تراهن واشنطن على تقديم «مغريات اقتصادية» ورفع جزئي للعقوبات، وذلك في مقابل الحصول من طهران على تنازلات جوهرية في الملفّ النووي، وتحديداً لناحية «تصفير تخصيب اليورانيوم»، وأيضاً الملفّ الصاروخي، العقدة الأهمّ حالياً بالنسبة إلى واشنطن وتل أبيب.
حسن حيدر

