تحذيرات غربية من «مستنقع» جديد: إيران ليست عارية
مع استمرار موجة الاحتجاجات الجديدة في إيران، وتحوّلها في غير منطقة إلى أعمال عنف مسلّح، يجادل الكثير من المراقبين بأن حكومة بنيامين نتنياهو قد تستغلّ حالة «عدم الاستقرار» هذه، لإطلاق العنان لـ«جولة» جديدة في الشرق الأوسط، تأمل أن تنتهي بتثبيت الإنجازات التي حقّقتها في الجولة الماضية. ويستند هؤلاء إلى تعاظم «التهويل» الإسرائيلي حول «إعادة بناء طهران لبرنامجها الصاروخي»، وحديث صنّاع السياسة في تل أبيب عن «جهود يبذلها حزب الله» حتى لـ«تجديد مخزونات الصواريخ البعيدة المدى» في لبنان، جنباً إلى جنب ما يُحكى عن تلقّي نتنياهو «ضوءاً أخضر» أميركياً لشنّ ضربات «استباقية» ضدّ إيران.
وتتذرّع إسرائيل، هذه المرة، بتجارب الصواريخ الباليستية التي تجريها طهران، والتي تعدّها «تهديداً وجودياً»، في حين تراها واشنطن «تهديداً حقيقياً». ويُفهم هذا التوصيف الإسرائيلي انطلاقاً من تكوّن ما هو أشبه بـ«إجماع أمني» جديد في إسرائيل، في أعقاب معركة «طوفان الأقصى»، عنوانه عدم الاكتفاء بـ«احتواء» أيّ تهديد محتمل، بل السعي إلى استهداف جذوره بشكل فوري، بهدف منع «تشكله» بالدرجة الأولى.
على أن رغبة إسرائيل في إطلاق «الجولة الثانية» يبدو، في العمق، نابعاً من قناعة لديها بأن الهجوم الأول لم يفشل في تحقيق الأهداف المعلنة منه فقط، بل أسهم في إرساء معادلة «ردع» إيرانية، يبدو القبول بها مستحيلاً بالنسبة إلى صنّاع السياسة الإسرائيليين. وفي حين قد تسعى إسرائيل إلى توجيه ضربات «أعنف» ضد طهران، يحذر عدد من المراقبين من أن الأخيرة أعادت، بدورها، «لملمة» صفوفها، وتجهيز دفاعاتها وصواريخها لأي جولة قادمة محتملة.
وفي هذا السياق، رأت مجلة «ناشيونال إنترست» التي تُعنى بالسياسة الخارجية الأميركية، في تقرير نشرته بداية الشهر الجاري، أن القتال قد لا يكون «محصوراً» هذه المرّة كما كان في المرّة الأخيرة، وذلك لأن الإيرانيين «أعادوا تشكيل دفاعاتهم»، متوقّعة أن تشهد الجولة القادمة انخراطاً أميركياً أكبر. وذكّرت المجلة بأنه بحلول نهاية الحرب التي استمرّت 12 يوماً في حزيران، كان تدخّل إدارة دونالد ترامب مدفوعاً، بشكل أساسي، بواقع أن الحرب كانت قد «بدأت تتحول ضدّ إسرائيل». بمعنى آخر، كان يتعين على ترامب، طبقاً لأصحاب الرأي المتقدم، أساساً، «أن ينقذ الإسرائيليين ويكسب بعض الوقت، وذلك بسبب التعديلات الكبيرة التي أجراها الإيرانيون على امتداد مدة الحرب». أما اليوم، فإن إيران «تعلمت دروساً قاسية من الجولة الأخيرة من القتال، وطبّقت تلك الدروس المستفادة. وهم يستعدون الآن للقتال بقوة أكبر بكثير وأكثر فتكاً مما تستطيع الدفاعات الإسرائيلية التعامل معه».
في المقابل، ثمة مخاوف حقيقية اليوم من أن الإسرائيليين لم يجدّدوا مخزونهم من الصواريخ الاعتراضية بالكامل؛ ورغم أنه يتمّ التباهي بالدفاعات الجوية الإسرائيلية، وتصوير «القبة الحديدية» والأنظمة المماثلة على أنها «أسطورية»، إلا أن هذه الأنظمة «تظلّ محدودة في نطاقها وحجمها وسعتها»، ولا سيما بعدما «أتقن إيران ووكلاؤها، مثل (حماس) والحوثيين وحزب الله»، تقنيات اجتياح تلك الدفاعات بالطائرات المسيرة والصواريخ واستنزافها.
في ظلّ هذه الحيثيات، يمكن فهم سبب مبالغة «الزعماء الإسرائيليين» في التعويل على إقناع الشعب الإيراني بالإطاحة بالنظام في طهران – وهو سيناريو لم يعد في مقدورهم، على ما يبدو، القبول بما هو أقل منه -. وإذ لا تزال التظاهرات الأخيرة مفتقرة إلى «الزخم الكافي لإسقاط النظام» بحسب التقديرات الأميركية، فهي قد تغري الإسرائيليين بشنّ هجمات، ستجد الولايات المتحدة نفسها مضطرة إلى الانخراط فيها.
على أن إمكانية المشاركة الأميركية في أي حرب قادمة، واحتمالات انجرار إدارة ترامب، التي تتطلّع إلى صبّ اهتمامها بعيداً من الشرق الأوسط، إلى «مستنقع» آخر فيه، تُقابَل بتحذيرات من عدد من المراقبين والمسؤولين الأميركيين على حدّ سواء، والذين وصلوا إلى حدّ تقديم «نصائح» إلى كل من طهران وواشنطن لـ«كسر حلقة العنف» المستمرة. وفي هذا الإطار، حاججت مجلة «فورين أفيرز»، في تقرير، بأن «كسر هذه الدائرة لن يكون سهلاً، بل سوف يتطلّب من القوى الأجنبية احترام حقوق إيران وكرامتها والتوقف عن التشهير المستمر بها وتهديد وإكراه دولة حضارية عمرها آلاف السنين»، منوّهة إلى وجود «خطوات» يمكن لطهران، بدورها، اتخاذها في هذا الاتجاه؛ من مثل «البدء في تعزيز الدعم المحلي عبر الإصلاحات الاقتصادية، وتعزيز موقفها في المفاوضات الدولية، بعدما أثبت الشعب الإيراني أنه أعظم أصول إيران في مقاومة وردع العدوان الأجنبي»، جنباً إلى جنب إعطاء الأولوية للتعاون والتنسيق، وخاصة على المستوى الإقليمي، عبر «إقامة حوار صريح مع «الوكالة الدولية للطاقة الذرية» والتعاون مع الولايات المتحدة لإدارة خلافاتهما، بدءاً بالقضية النووية والعقوبات.
وفي الوقت نفسه، يحمل منع التصعيد «أهمية محورية بالنسبة إلى الولايات المتحدة وأوروبا»، اللتين يجب أن تبدآ في التعامل مع إيران باعتبارها شريكاً وليست تهديداً، بعدما أسهم التورط في خطاب عدائي وأمني ضدّها، في تصعيد التوترات الإقليمية والعالمية، «من دون تحقيق أي من أهداف واشنطن وبروكسل المعلنة».
على أن نزعة إسرائيل إلى ضمان «الهيمنة المطلقة»، ورغبتها في حرمان «جيرانها» من أيّ حدّ أدنى من الضمانات، بتأثير من «أوهام إسرائيل الكبرى»، تخاطر، طبقاً لكثيرين، بـ«التضحية بالأمن القومي الأميركي ورفاهية الشعب الأميركي في سبيل أحلام إسرائيل»، وتعريض رئاسة ترامب، ومستقبله السياسي، للخطر.
ريم هاني

