مقالات

مستوطِنو «البؤر الرعوية»: ضمّ الضفة بـ«أمر الربّ»!


منذ احتلالها إياها عام 1967، تعاملت إسرائيل مع الضفة الغربية المحتلة باعتبارها جزءاً من «أرضها». فالضفة، في الوعي الديني اليهودي، هي «يهودا والسامرة»؛ وفي العقل الأمني، عمق استراتيجي لحماية الأراضي المتاخمة لها، أي تلك المحتلّة عام 1948، ولا سيّما المدن الكبرى حيث تتركّز الصناعات المركزية والاقتصاد والمال. وانطلاقاً من هذين العاملَين، تطوّرت أشكال احتلال الضفة، وأدوات السيطرة عليها باطّراد، بدءاً من مصادرة الأراضي بذريعة «الضرورة العسكرية»، مروراً ببناء مزارع رعوية وخيم صغيرة، وصولاً إلى إعادة إنتاج مشروع الاستيطان بصيغ أكثر فاعلية، وذلك عبر تحويل تلك «المزارع» إلى بؤر استيطانية عشوائية، تبدو وكأنها دولة قائمة بذاتها.
تاريخياً، ومع احتلال الضفة بعد حرب 1967، أقامت إسرائيل مستوطنات ذات طابع أمني. آنذاك، وضع يغال ألون خطة لاستيطان الضفة حملت اسمه، حدّد فيها مناطق المرحلة الأولى من الاستيطان بغور الأردن وشمال البحر الميت وأطراف القدس، فيما تجنّب الجبال المكتظّة بالفلسطينيين في نابلس ورام الله والخليل، على الرغم من «قدسية» هذه المدن في الديانة اليهودية. في تلك المرحلة، دعمت حكومة العدو بناء المستوطنات الزراعية، فأنشأت «كيبوتسات» و«موشافات» في الأغوار – حيث الأرض الخصبة -، وذلك بهدف حماية الحدود الشرقية وتأخير أي تقدّم لقوات أردنية أو عراقية ريثما يصل الجيش الإسرائيلي.

ومع وصول حزب «الليكود» برئاسة مناحيم بيغن إلى الحكم في سبعينيات القرن الماضي، دخل الاستيطان مرحلة جديدة، تحوّل في خلالها من أداة أمنية إلى هوية سياسية ودينية كاملة، مرتبطة بـ«إعادة أرض إسرائيل». وعليه، تسارعت، مذّاك، عمليات مصادرة الأراضي، وتحوّلت البنية الاستيطانية إلى شبكة تقضم الأرض تدريجياً؛ فالمستوطنة تحتاج إلى شقّ طرق، والمستوطنون يحتاجون إلى مدّ شبكات الماء والكهرباء. ومع توفير كلّ هذه المقوّمات، ازداد عدد المستوطنين تدريجياً، الأمر الذي استدعى التخطيط لمستوطنات جديدة.
هكذا، حوصرت المدن الفلسطينية وتحوّلت إلى جزر معزولة، عاجزة عن تشكيل وحدة جغرافية متماسكة. وإبّان مرحلة «أوسلو»، ورغم إعلان الحكومة الإسرائيلية، في 7 كانون الأول 1999، أنها ستقوم بتجميد جميع مشاريع البناء الجديدة في المستوطنات، إلّا أن الالتفاف على ذلك جاء سريعاً عبر ما عُرف بالبؤر الاستيطانية، إذ ظهر، في تلك الفترة، تنظيم «شبيبة التلال» كمجموعة من المستوطنين المؤدلجين، الذين يمارسون العنف المنظّم لطرد الفلسطينيين من أرضهم، فيما وفّر لهم أرييل شارون (كان وزير الخارجية آنذاك في حكومة بنيامين نتنياهو) غطاءً سياسياً واضحاً حين دعاهم إلى «احتلال التلال»، مؤكداً، في خطاب ألقاه في 15 تشرين الثاني 1998، أن «كل ما نحتلّه سيبقى بأيدينا، وكل ما لا نحتلّه سيذهب إلى أيديهم». ومنذ منتصف عقد 2010 – 2020، انتقلت إسرائيل إلى الشكل الأكثر فاعلية للاستيطان، والمتمثّل بالبؤر الرعوية، التي تبدأ بعائلة واحدة وقطيع من الأغنام أو الأبقار وخيمة أو كرافان على تلة، ثم فجأة يتحوّل المكان إلى «مرعى» للأغنام مُغلق بأسلاك، وواقع تحت حراسة ليلية، ومُحاط بقوات لحماية المستوطنين.

ومع عودة نتنياهو إلى رئاسة حكومة الاحتلال، أواخر عام 2022 (في ولايته الثالثة)، وتحالفه مع تيارات الاستيطان الديني المتطرّف، دخلت الضفة الغربية مرحلة الهجوم المفتوح والضمّ غير المُعلن، إذ تسارعت عملية «شرعنة» البؤر، واتّسعت يد الحكومة في تحويل العشوائية منها إلى رسمية، في سياسة توّجها وزير المالية، بتسلئيل سموتريتش، بإعلانه أن عام 2025 كان من المُفترض أن يكون «عام بسط السيادة على يهودا والسامرة». ورغم أن الضم لم يحدث بشكل رسمي، إلا أن مشروعه ما فتئ يتقدّم على الأرض، من خلال التغوّل الاستيطاني في الضفة، التي يعدّها الوعي الديني – القومي اليهودي، «ذاكرة» و«هوية» و«وعداً إلهياً».
ولعلّ مما يجدر استحضاره، هنا، الصرخة التي أطلقها الحاخام تسفي يهودا كوك قبيل أسابيع من حرب 1967، والتي بدت أقرب إلى برنامج سياسي كامل؛ إذ جاء فيها: «أين خليلنا… أين شكيمنا… أين أريحونا… هل بأيدينا التنازل عن ملّيمتر واحد؟ حاشا وكلا!»، وذلك في إشارة إلى الخليل التي تعتبرها الرواية اليهودية «مرقد الآباء»، ونابلس التي تقول إنه فيها «ظهرَ الرب» للنبي إبراهيم، ومنحه الأرض (لنسلِك أعطي هذه الأرض)، وأريحا التي تنظر إليها على أنها «بوابة أرض الميعاد».

من هنا، يتضح الفارق بين مستوطنة زراعية في غور الأردن ومستوطنة رعوية قرب مسافر يطا. فالأولى تُقدّم كحاجز أمني وحدود دفاعية، والثانية كفعل «جهاد ديني» على الأرض، و«استعادة» لسيادة يراها المستوطن «أمراً إلهياً»، لا يقيّده في تنفيذه قرار دولة ولا أوامر جيش. وفي هذا السياق، تحفل مجموعات «تيليغرام» التابعة للمستوطنين بمنشورات تحتفي بإنشاء بؤر استيطانية جديدة، وتدعو إلى دعم ساكنيها باعتبارهم «حرّروا» أجزاء من «أرض إسرائيل»، في حين لا يفتأ يزداد توحّش هؤلاء وإرهابهم ضد الفلسطينيين في الضفة، خصوصاً بعد السابع من أكتوبر 2023. وبحسب معطيات صادرة عن «معهد أبحاث الأمن القومي» في «جامعة تل أبيب»، فإن «الإرهاب اليهودي» ضدّ الفلسطينيين تصاعد بشكل كبير، ولا سيما في المناطق المُصنّفة «ج».

إلى جانب ذلك، تشير بيانات «قيادة المنطقة الوسطى» في الجيش الإسرائيلي، إلى تسجيل ارتفاع بنحو 27% في ما تصفه المؤسسة الأمنية بـ«الجريمة القومية» خلال عام 2025، مع توثيق نحو 870 جريمة، بينها 120 حادثة «خطيرة»، مقارنة بـ83 حادثة مماثلة في عام 2024. وإذ مرّ هذا العنف بمراحل متعددة: من سياسة «تدفيع الثمن» إلى «فتيان التلال»، ومن رشق الفلسطينيين بالحجارة إلى إحراق العائلات داخل منازلها – كما حدث مع عائلة دوابشة في قرية دوما قرب نابلس عام 2015 -، فإن الشكل الحالي لعنف «فتيان التلال» يتجاوز منطق الانتقام، ويستهدف جعل الحياة الفلسطينية غير محتملة، ودفع السكان إلى الرحيل، خصوصاً من المناطق المُصنّفة «ج».
وبحسب تحقيق نشرته صحيفة «هآرتس» مطلع العام الماضي، فإن «فتيان التلال» – الذين تروّج الحكومة لكون عددهم لا يتجاوز 70 شخصاً في حين تفيد تقديرات غير رسمية ببلاغ عددهم المئات -، معروفون للأجهزة الأمنية، ومشرّدون من هوامش المجتمع الإسرائيلي. كذلك، هم خارجون عن الأطر التعليمية، ويعيشون في بؤر معزولة، وتتجذّر لديهم رؤية دينية – قومية راديكالية عنوانها أن «السيادة اليهودية» على كامل «أرض إسرائيل» أمر «إلهي»، وأن أي انسحاب منها يُعدّ «خيانة». وفيما تؤثّر هذه المجموعة من الفتيان على دائرة أوسع من المستوطنين، الذين باتوا يواجهون الجيش نفسه في حال حاول الحدّ من اعتداءاتهم، وهو ما يثير «قلق» المؤسسة الأمنية.
ومع ذلك، توفّر الحكومة الإسرائيلية غطاءً كاملاً لهذه الاعتداءات من دون اعتقال منفّذيها أو محاسبتهم. لا بل إن وزير الأمن، يسرائيل كاتس، ألغى الاعتقال الإداري بحق اليهود في الضفة الغربية في تشرين الثاني 2024، بذريعة أنه إجراء «قاسٍ» لا ينبغي تطبيقه على المستوطنين، بينما يبقى أداة روتينية ضد الفلسطينيين.
في هذا الوقت، ومع اقتراب شهر رمضان، تحذّر الأجهزة الأمنية الإسرائيلية من «انفجار أمني واسع»، نتيجة تصاعد عنف المستوطنين، وتفاقم الضائقة الاقتصادية التي يعيشها الفلسطينيون في الضفة المحتلة. ولذا، يعمل وزير «الأمن القومي»، إيتمار بن غفير على تسليح الشبان المتشدّدين، لا لردعهم، بل لمواجهة أصحاب الأرض أنفسهم، إذا ما أرادوا التمرّد على واقعهم.

قاسم س. قاسم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *