ثلاثة سيناريوات للمواجهة: «اليوم التالي» غير مضمون
مع ازدياد التوتر الأميركي – الإيراني، يتقدّم الكثير من الأسئلة التي لا تتوافر إجابات قاطعة عنها بعد: هل نحن أمام قرار أميركي بحسم سريع، أم ضغوط مُحكمة هدفها انتزاع تنازلات من دون حرب طويلة؟ وإذا كان «الحسم» هو الهدف، فهل توضع في الحسبان قدرة إيران على تحويل الضربة المحدودة إلى أزمة ممتدة؟ ثمّ أين تقف إسرائيل داخل هذه المعادلة؟ وهل ترى في الاندفاعة الأميركية فرصة لإحداث تغيير جذري في معادلات المنطقة، أم أنها تخشى أن يتحوّل «إنجاز ترامب» إلى لقطة سياسية قصيرة تترك ارتداداتها الأمنية على تل أبيب وحدها؟ والأهمّ من كلّ ذلك: ماذا لو تمكّن النظام الإيراني من الصمود؟
الكثير من التقديرات السائدة في إسرائيل، لا تنطلق من افتراض أن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، يتجنّب المخاطرة، بل أنه لا يريد حرباً طويلة، نظراً إلى أن أولويات الولايات المتحدة الكبرى، في عقيدته، ليست في الشرق الأوسط الذي يعتبره ساحة يمكن إدارتها بمنطق العملية السريعة أو الضغط المركّب. غير أن الرغبة في تجنّب الاستنزاف لا تعني تلقائياً تفادي الحرب، بل قد تعني اختيار نوع أسوأ من المخاطرة، من مثل اللجوء إلى ضربة سريعة، ثمّ وضع شروط يؤمل أن تغيّر ميزان الردع. لكن السؤال يبقى: من يضمن أن اليوم التالي لن يبتلع «الإنجاز السريع» ويحوّله إلى سلسلة تصعيد تُخرج ترامب من وعده الأساسي بعدم الغرق في المنطقة؟
هنا، تَظهر 3 سيناريوات متداولة: أولها، ضربة واسعة تستمر ساعات أو أياماً قليلة تستهدف القدرات العسكرية والأمنية لإيران، ثم يُعلن نجاح العملية وانتهاؤها؛ وثانيها، ضربة «جراحية» تستهدف القيادة السياسية والأمنية بهدف شلّ القرار وتحقيق إنجاز في أقصر مدّة ممكنة؛ وثالثها، استخدام الحشد العسكري ليس للحرب مباشرة، بل كغطاء لتصعيد اقتصادي وأمني، وتحريك للداخل مع طرح شروط قاسية على النظام، يصار – في حال عدم استجابة الأخير لها – إلى العودة إلى الخيار الأول أو الثاني. لكنّ كلاً من هذه الخيارات يصطدم بعامل شديد الأهمية، وهو أن الداخل الإيراني لا يفهم «التنازل تحت الإكراه» بالطريقة نفسها التي قد تتصوّرها واشنطن، ولا يتعامل مع «النظام» بوصفه حكومة عابرة قابلة لتلقي الضغط ثم التعديل تحت وطأته.
ففي كلام للمرشد الإيراني، السيد علي الخامنئي، في شباط 2016، أوضح أن المقصود بحفظ النظام ليس مجرد الحفاظ على «البنية السياسية» القائمة مهما كان الثمن، بل حماية «هيكلية سياسية تنطوي على منظومة من الأهداف والمبادئ» – تشمل العدالة والتقدّم والعلم والأخلاق والسيادة الشعبية والعمل بالقانون والالتزام بالمثل العليا – «لولاها لأصبح النظام شيئاً سطحياً وصورياً». وفي مناسبة أخرى، اعتبر الخامنئي أن «تغيير سلوك النظام يعني تغيير النظام»؛ وهو ما يعني أن أي تراجع علني تحت الضغط، سيكون أقرب إلى تهديد للهوية وليس مجرّد تعديل سياسي.
ومن هنا، يُطرح السؤال حول ما إن كان في الإمكان فرض سقف للرد الإيراني بعد ضربة واسعة؛ كما حول ما إذا كانت الضربة «الجراحية» نفسها كفيلة بإضعاف النظام، أم منحه سبباً إضافياً لرصّ الصفوف وتوسيع القبضة الأمنية؟ ثمّ، هل الاكتفاء بالحشد العسكري والضغط، يضمن انتزاع التنازلات المطلوبة، أم سينتج رد فعل معاكساً يرفع كلفة أيّ تنازل إلى درجة تمنع تقديمه؟ الواقع أن النظام لن يقرأ المطالب المقدَّمة تحت إكراه عسكري علني بوصفها تفاوضاً، بل بوصفها استسلاماً؛ والاستسلام، في عقيدته، ليس خياراً يمكن هضمه؛ بل هو يهدّد جوهر المعنى الذي يقوم عليه، ويجعله «صورة بلا معنى واسماً بلا مسمّى»، على حدّ تعبير الخامنئي. ومن هنا، تعتقد القيادة الإيرانية أن أي مفاوضات ينبغي أن تجري على هوامش الثوابت، ما دام النظام يرى نفسه قادراً على تقديم التضحيات.
من زاوية إسرائيل، تظهر فجوة خطيرة بين ما تعتبره الأخيرة «نتيجة حقيقية» وما قد يكتفي به ترامب «كنتاج سياسي»؛ ذلك أن تل أبيب تريد أثراً رادعاً طويل المدى على القدرات والبنى والشبكات، لا مجرّد أيام صدمة يمكن استيعابها ثم الالتفاف عليها. أما السيناريو الأكثر إرباكاً لها، فهو صمود النظام، أي أن لا ينهار الحرس الثوري ولا الباسيج، وأن يتحوّل الضغط الخارجي إلى محفّز لغريزة الدفاع عن القيادة، خصوصاً عندما يتغذّى من سردية «المواجهة الحتمية» التي يكرّرها النظام.
كذلك، فإن الضربة الواسعة لا تمنع ردّاً واسعاً أيضاً – من دون الانجرار إلى حرب شاملة – بما يشمل «الثأر» بأدوات لا يمكن لواشنطن السيطرة عليها. أما الاستمرار في التحشيد، فمن شأنه توسيع «المنطقة الرمادية»: لا حرب رسمية تُضبط نهايتها، ولا تسوية تُضبط شروطها، بل سلسلة إجراءات وردود تُبقي المنطقة مفتوحة على قابلية الاشتعال.
بناءً على كلّ ما تقدّم، يصبح السؤال الرئيسي هو عمّا إذا كان لدى واشنطن وتل أبيب تصوّر واضح للمرحلة التالية في حال استطاع النظام الصمود – وهو السيناريو الأكثر واقعية -؟ الواضح إلى الآن أن هذا التصوّر غير موجود، وهو ما يرجّح الانزلاق إلى مسار لا يملك أحد فيه حق إعلان النهاية.
علي حيدر

