أخبار عربية ودولية

خيارات أميركا في مواجهة إيران: رهان على انشقاق في «الحرس الثوري»

عند عودته من «منتدى دافوس»، أعلن الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أن أسطوله يتجه نحو إيران، وذلك ردّاً على تصريحات أحد قادة «حرس الثورة الإسلامية»، التي توعّد فيها الولايات المتحدة وإسرائيل بـ«مصير مؤلم». وفي وقت يتصاعد فيه التوتر بين واشنطن وطهران، وتتزايد المخاوف من تدخّل عسكري أميركي كبير ضدّ الأخيرة، يقدّم ثلاثة خبراء عسكريين فرنسيين، هم ضابطان سابقان وثالث ما زال يمارس مهامه، في حديث إلى «الأخبار»، قراءاتهم للأهداف التي تسعى واشنطن لتحقيقها والخيارات المُتاحة لديها.
غيوم أنسيل، وهو ضابط سابق وله مؤلّفات عدة بينها «دروس صغيرة عن الحرب: كيفية الدفاع عن السلام من دون الخوف من القتال»، يرى أن التدخّل العسكري، وهو خيار جرى التخطيط والإعداد له بإشراف «هيئة الأركان» الأميركية، سيتمّ حصراً من خلال عمليات قصف جوي. ووفقاً له، فإن إرسال الولايات المتحدة لقوات برية أمر غير وارد قطعاً، لأن الجيش الأميركي، رغم كونه الأول في العالم، سيعجز عن السيطرة على أي جزء من الأراضي الإيرانية. لكنّ التفوّق الجوي الساحق لهذا الجيش يسمح له بالشروع في الضربات التي يراها مناسبة، خاصةً في ظل الظروف الصعبة التي تواجهها إيران: «أولاً، لقد فقدت طهران دعم موسكو التي لم تعد لديها قدرة أو رغبة في حمايتها. ثانياً، وعلى الرغم من أن المشروع النووي الإيراني لم يَجرِ الإجهاز عليه، فإنه تعرّض لتدمير واسع النطاق خلال حرب الـ12 يوماً. هذه المعطيات تحرم الإيرانيين من القدرة على توجيه ضربات حاسمة أو حتى من التصدّي الفعّال لهجوم جوي تشنّه الولايات المتحدة ودول أخرى كإسرائيل. إيران في وضعية شديدة الهشاشة اليوم».

يعتقد أنسيل أن مثل تلك الضربات لن تتيح الإطاحة بالنظام، غير أنها قد تؤدّي إلى اغتيال قياداته، بدءاً بالمرشد وبكبار مسؤولي حرس الثورة؛ وعندها سيواجه الأميركيون حالة فوضى، وسيضطرون إلى الاعتماد على شخصية أو منظّمة تستطيع إدارة مرحلة انتقالية.
وفي هذا الإطار، يشير إلى أن «الأميركيين يريدون الإيحاء بأن ابن الديكتاتور المخلوع رضا بهلوي صالح لأداء دور الدمية التي تناط بها مثل هذه المهمة. هذا خيار بمنتهى التفاهة إن تذكّرنا من هو شاه إيران السابق. ليس لابنه أيّ صدقية بين الإيرانيين وهو مجرّد صناعة إعلامية لا غير». وعليه، يتساءل الضابط السابق عن احتمال ميل الأميركيين إلى الاعتماد على قوى من داخل النظام، مستعدّة للقبول باتفاق معهم للتخلّي عن المشروع النووي والتوقّف عن ضخ السلاح إلى الخارج، خاصةً روسيا، وتصدير النفط إلى الولايات المتحدة، ليجيب بأن «على الأميركيين الاختيار بين إيصال دمية إلى السلطة، أو السماح لأحد قادة الحرس الثوري بأن يتسلّمها مع فرض علاقة استتباع عليه، كما هي الحال مع الرئيس السوري الحالي مثلاً، الذي فهم أنه لا يقدر على مواجهة الولايات المتحدة، على الرغم من ماضيه. باستطاعة واشنطن أيضاً أن تدع البلد يغرق في الفوضى، لكنني أظن أنها غير مستعدّة لذلك، لأنها لا تقوى على التحكّم بها. هذا أحد دروس تجربتها في العراق». ذلك ما يفسّر، من وجهة نظر أنسيل، انعدام الحماس الأميركي للعب بالورقة الانفصالية في إيران.

«تشجيع النزعات الانفصالية في إيران لإضعاف نظامها هو خيار محفوف بالمخاطر»

يتقاطع هذا التحليل مع ذلك الذي يطرحه ميشال غويا، العميد السابق في البحرية الفرنسية والمؤرّخ والخبير العسكري، ومؤلّف «نظرية المقاتل»، وإن كان الثاني أكثر تحفّظاً حيال فرضية «هشاشة وضعية إيران». غويا مقتنع بأن غاية الضربات الأميركية، في حال وقوعها، ليست تقديم العون للمحتجّين الإيرانيين، بل إجبار النظام على تغيير سلوكه، والتخلّص من التهديد المتمثّل بالبرنامج النووي والبرنامج الباليستي. و«بما أنه من غير الوارد بالنسبة إلى دونالد ترامب والأميركيين بشكل عام إرسال جنود للقتال على الأرض، فإن الخيار الوحيد المطروح هو القصف. لكن قصف نظام يتمتع بتفوّق نوعي على معارضيه وقادر على سحق احتجاجاتهم، لن يكون ذا جدوى».
وإذ يشير العميد السابق إلى أنه «كان من الضروري تسليح البلوش والأكراد وحتى العرب، وتوفير الدعم السرّي لكلّ المعارضة، أيّاً كانت، لكي تتمكن من التغلّب على الحرس الثوري»، فهو يعتقد أن مثل هذا الخيار غير وارد في ظلّ غياب معارضة موحّدة ومنظّمة، وخشية الأميركيين من حرب أهلية وفق النمط السوري، قد تدوم سنوات طويلة. «أنا مقتنع بأن الأميركيين سيسعون للتفاهم مع النظام بدلاً من محاولة تغييره، أو خلق الظروف المناسبة لوقوع انقلاب أو تغيير من داخله، والبحث عن تيار في الحرس الثوري مستعدّ للاستيلاء على السلطة، والتوصّل إلى تفاهمات معهم، كما حصل في فنزويلا».

أمّا إسرائيل، فيعتقد غويا أنه ليست لديها مصلحة في فوضى في إيران، كما أن «الإسرائيليين يخافون من الحرب – على الرغم من كل شيء -، لأن الإيرانيين يحتفظون بقدرة صاروخية، ولم يتوقفوا عن تطويرها بعد حرب حزيران الماضي. يرى البعض أن الأخيرة كانت نصراً إسرائيلياً على الرغم من أنها تركت ذكريات سيئة – لأن إسرائيل قُصفت بعنف -، وهو ما قد يساعد على فهم تردّدها حيال الحرب الشاملة مع إيران. إسرائيل تتمنّى في الواقع تحييد التهديد الإيراني وليس تغيير النظام». ويضاف إلى ما تقدّم، أنه «من غير المؤكّد أن فوضى عارمة في إيران، مع وجود 400 كغ من اليورانيوم المخصّب لا أحد يعرف مكانه، وقدرات باليستية قد تقع في أيدي أطراف مجهولة، هو وضع مناسب بالنسبة إلى إسرائيل أو إلى دول أخرى»، بحسب ما يختم به غويا.

أمّا أوليفييه باسو، اللواء في القوات البرية الفرنسية والباحث في «مركز دراسات الكلية الحربية الفرنسية»، فيجزم، من جهته، أن من بين أهداف الحرب تعزيز موقع إسرائيل وإضعاف الصين، عبر الحدّ من القدرات الإيرانية. وإذ «يفضّل الأميركيون تجنّب تصعيد غير قابل للضبط والاحتفاظ بالقدرة على التحكّم بالعمليات الإسرائيلية، فهم قد يبادرون إلى حملة جوية ضد إيران على غرار تلك التي باشروا بها خلال حرب الـ12 يوماً، لكي يبقوا الجهة التي تدير المواجهة. وإذا نجحوا في السيطرة على النفط الإيراني وعلى الموارد الأخرى، حتى من دون إسقاط النظام، فإنهم سيضعفون الصين التي تستورد قسماً كبيراً من نفطها من إيران وقامت باستثمارات ضخمة في البنى التحتية لقطاع الطاقة».

كذلك، يرى باسو أن تشجيع النزعات الانفصالية في إيران لإضعاف نظامها هو خيار محفوف بالمخاطر؛ إذ إن «تشظّي إيران سيفضي إلى زعزعة استقرار الشرق الأوسط. كما أن تشجيع مثل هذه المقاربات لا ينسجم مع النهج الحالي الذي تتبناه الإدارة الأميركية في سوريا مثلاً، حيث أيّدت حكومة أحمد الشرع ضد الأكراد»، بحسب ما يشير إليه.

لينا كنوش

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *