ثلاثة عوامل عاكست رهانات الخارج: فشل «سَورَنة» إيران
أدركت السلطات الإيرانية باكراً أن الاستثمار الخارجي في الاحتجاجات الداخلية، كان الهدف منه استنساخ التجربة السورية لتعميم الفوضى في الداخل الإيراني، بما يبرّر لاحقاً استدعاء تدخُّل خارجي. ومع وضوح هذا المخطّط بالنسبة إليها، سهُل عليها لاحقاً اتّخاذ الإجراءات الكفيلة بإفشاله، أقلّه في المرحلة الراهنة
يكشف تحليل الوقائع الميدانية والمعطيات الاستخبارية في ما يتّصل بالاضطرابات الأخيرة التي شهدتها إيران، عن محاولة منهجية لاستنساخ التجربة السورية ونقْلها إلى العمق الإيراني، وذلك عبر ما تصفه الدوائر السياسية والأمنية بـ«السَورنة»؛ إذ بات واضحاً وجود مخطّط تقوده غرف العمليات الخارجية، يستهدف إعادة إنتاج نموذج الأزمة السورية في طهران والمدن الكبرى، عبر الجمع بين العنف الميداني والتضليل الإعلامي والحرب النفسية. وفي خلال الفصل الأوّل من تلك المحاولة، أُوكلت إلى شخصيات من مثل رضا بهلوي، إلى جانب مجموعات انفصالية مسلّحة، لعب دور المحرّض الرئيس، إنْ كان عبر دعوة أنصارها إلى النزول بكثافة إلى الشارع، بالاستناد إلى سردية مفادها بأن الدعم الدولي الحاسم سيصل قريباً، أو إشاعة انطباع بأن النظام بات على وشك السقوط. لكن حقيقة هذا الرهان تكشّفت سريعاً على الأرض، فـ«الدعم» المزعوم لم يكن سوى مجموعات مسلّحة ومندسّين استغلّوا وجود المحتجّين السلميّين كـ«دروع بشرية»؛ وبدلاً من تعزيز أيّ مكسب سياسي، باشر هؤلاء إطلاق النار على عناصر الأمن والمواطنين، في محاولة متعمّدة لتفجير الوضع وتحويل الحَراك المطلبي إلى مواجهات دموية مفتوحة، ومن ثمّ جرّ النظام إليها لتبرير أيّ تدخُّل خارجي لاحقاً.
وعلى المستوى الإعلامي، جرى الاستثمار بقوة في صناعة «المظلومية»، هو ما جلّته مثلاً أحداث ما عُرف بـ«الخميس الدامي» في الثامن من الشهر الجاري، في مشرحة «كهريزك» جنوب طهران، التي استقبلت أكثر من 200 جثمان، في حين أن طاقتها الاستيعابية تبلغ 50 جثة فقط. وبحسب المعطيات، فإن عمليات التصوير داخل المشرحة وفي فنائها الخارجي، كانت ممنهجة ومعدّة مسبقاً؛ إذ إن عدداً كبيراً من المصوّرين لم يكونوا من ذوي الضحايا، بل عناصر مكلّفين بمهمّة «التوثيق التحريضي». كذلك، جرى افتعال فوضى داخل المشرحة لمنع تسليم الجثامين إلى ذويها، وإبقائها مكشوفة لأطول وقت ممكن، حتى يتمّ التقاط صور توحي بوقوع «مجازر جماعية» تُستخدم لاحقاً في حملة التضليل الإعلامي ضدّ الدولة.
بعد ذلك، انتقلت المواجهة إلى مستوى أكثر تعقيداً، عبر ما يعرف بـ«حرب الغرف السوداء»، حيث لجأت قنوات ناطقة بالفارسية ومموَّلة من الخارج إلى تكتيك «الخرائط الوهمية»، مُضخّمةً حجم الاضطرابات، ومصوّرةً المدن الإيرانية وكأنها خرجت عن السيطرة بالكامل. وقد هدف هذا التكتيك إلى تحقيق غايتَين رئيسيتَين: أولاً، خلْق حالة إحباط نفسي عميق لدى أنصار الدولة وتثبيط عزيمتهم، ومحاولة التأثير على بعض القوى العسكرية، خاصة فئة «المجنّدين» للخدمة العسكرية الإلزامية، وحثّهم على الفرار؛ وثانياً، بثّ «نشوة زائفة» لدى المعارضين تدفعهم نحو مزيد من التصادم والمخاطرة على قاعدة وهم الحسم القريب، وترنُّح النظام الإيراني. والوهم المذكور، كان لا بدّ من أن يقترن بعسكرة الاحتجاج – ابتداءً من الثامن والتاسع من الجاري -، من خلال الدفع بعناصر مسلّحين – من مِثل مجموعات «كومله» وخلايا نائمة – لإطلاق النار على قوات الأمن والمواطنين معاً، وكسر حاجز السلمية، ودفع الدولة بالتالي إلى ردّ فعل عنيف، يستخدم لاحقاً لخلق صورة «حرب أهلية» قائمة في إيران، وفرض سيناريو التدخّل الخارجي.
لكن خلافاً لتلك الرهانات، لم تُسجّل أيّ حالات انشقاق داخل الأجهزة العسكرية أو الأمنية، فيما نفّذت السلطات عمليات استخبارية دقيقة لكشف الخلايا المسلّحة واعتقال أفرادها وتفكيك شبكاتها بالكامل، وهو ما أدى إلى السيطرة على الشارع وقطع الطريق على أيّ مواكبة داخلية للضربات الخارجية. أيضاً، لجأت إيران إلى إجراءات تقنية حاسمة، شملت قطع الإنترنت في ذروة التهديد، وذلك بهدف عزل المشغّلين الخارجيين عن أدوات الفوضى، وإحداث شلل معلوماتي في غرف العمليات المعادية.
هكذا، فشلت الجولة الأولى من محاولات «سَورنة» المشهد الإيراني، في ما يمكن إرجاعه إلى عوامل عدّة، أولّها أن الإيرانيين فهموا، عبر التجربة السورية وما تلاها من دمار، أن الرهان على الدعم الخارجي يؤدي دائماً إلى انهيار الدولة وتدمير المجتمع؛ وثانيها، أن طهران اتّبعت «ديبلوماسية الحقائق»، وكشفت للبعثات الخارجية زيف الفيديوهات والصور المفبركة، بما فيها تلك المرتبطة بمشرحة «كهريزك» والشارع؛ وثالثها أن نحو 26 مليون شخص خرجوا إلى الشوارع تأييداً للنظام بعد أيام من ذروة العنف، وهو ما مثّل ضربة قاصمة لسيناريو «العزلة الشعبية»، وأكد أن الشارع الإيراني لا يمكن توجيهه عبر الشاشات الخارجية.
حسن حيدر

