أخبار عربية ودولية

تصنيف «الحرس الثوري» إرهابيّاً: أوروبا تغادر «الانخراط البنّاء»

لندن | في خطوة تمثّل نقطة تحوُّل حادّة على مستوى العلاقات الأوروبية – الإيرانية، صوّت البرلمان الأوروبي بأغلبية ساحقة (الخميس) لمصلحة قرار يصنّف «الحرس الثوري» الإيراني «منظّمة إرهابية»، داعياً دول الاتحاد إلى تفعيل هذا التصنيف فوراً. وأتى القرار كردّ على ما وصفه المشرّعون الأوروبيون بـ«حملة قمع وحشية يقودها النظام الإيراني ضدّ انتفاضة شعبية» اندلعت شرارتها في أواخر كانون الأول الماضي، وخلّفت آلاف القتلى والجرحى؛ علماً أن طهران تعتبر ما جرى تمرّداً منسّقاً بجهود استخبارية أميركية وإسرائيلية لركوب موجة سخط شعبي إزاء الأوضاع الاقتصادية الضاغطة في البلاد، والعائدة إلى الحصار الغربي المديد للجمهورية الإسلامية.
والقرار الذي تبنّاه البرلمان في جلسته العاصفة في استراسبورغ، اتّسم بلهجة غير مسبوقة في حدّتها، متجاوزاً لغة الإدانة الدبلوماسية المعتادة، إلى المطالبة بإجراءات عقابية شاملة. ونصّ القرار على اعتبار «الحرس الثوري»، بجميع فروعه العسكرية والأمنية والاقتصادية، كياناً إرهابيّاً يهدّد الأمن والسلم الدوليَّين. وأعلنت رئيسة البرلمان، روبرتا ميتسولا، في كلمتها التي قوبلت بتصفيق حارّ من النواب، حظر دخول الدبلوماسيين وممثّلي النظام الإيراني إلى مباني البرلمان، قائلةً إن أوروبا «ستغلق أبوابها في وجه مَن يستخدمون المنابر لتشريع القتل». وطالب القرار، الدول الأعضاء بتجميد شامل لأصول «الحرس»، وحظر سفر قادته، وملاحقة المسؤولين عن قمع الاحتجاجات قضائيّاً في المحاكم الأوروبية.

وجاء التحرّك الأوروبي على خلفية الاضطرابات التي عصفت بإيران منذ الـ28 من كانون الأول الماضي، حين بدأت احتجاجات مطلبية، في ضوء الانهيار الحادّ في قيمة العملة الوطنية، ووصول التضخّم إلى مستويات قياسية، قبل أن تتحوّل إلى انتفاضة عنيفة استهدفت مرافق عامة شملت أكثر من 200 موقع عبر البلاد. وتشير الإحصاءات الواردة في تقارير «وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان» (HRANA)، والتي استند إليها البرلمان الأوروبي، إلى أن حصيلة أعمال العنف، حتى الـ22 من كانون الثاني الجاري، بلغت 4,902 قتيل، بينهم 201 من عناصر الأمن، في حين لا تزال ظروف مقتل أكثر من 9,300 شخص قيد التحقيق. في المقابل، أفادت وسائل الإعلام الحكومية الإيرانية بمقتل 3,117 شخصاً، وصفت 2,427 منهم بـ«الشهداء»، متّهمة «إرهابيين مدعومين من الغرب» بإثارة شغب مسلّح.

التنفيذ القانوني الكامل لتصنيف «الحرس» «منظّمة إرهابية»، يتطلّب إجماعاً من المجلس الأوروبي


وتوازياً مع قرار البرلمان، كشفت وثائق مسرّبة من مجلس الاتحاد الأوروبي عن حزمة عقوبات تنفيذية جديدة ستُطرح على التصويت النهائي في اجتماع وزراء خارجية دول التكتُّل الخميس المقبل، وتستهدف وزير الداخلية الإيراني إسكندر مؤمني، بصفته المسؤول الأول عن قوات إنفاذ القانون التي يقول الأوروبيون إنها استخدمت الرصاص الحيّ ضدّ المتظاهرين. وتشمل دائرة العقوبات أيضاً القائد العام الجديد لـ«الحرس» اللواء محمد باكبور، الذي عُيّن خلفاً للّواء حسين سلامي (استشهد في غارة إسرائيلية في حزيران 2025)، بالإضافة إلى قادة إقليميين، من مثل حيدر أولفاتي وأحمد علي فيض اللهي، المتهمَين بإصدار أوامر مباشرة بإطلاق النار على المحتجّين في محافظة إيلام ومدينة كرج. وتطاول الإجراءات الأخيرة، كذلك، شركات تكنولوجية من مثل «يافتار» و«دوران» لمشاركتها في تطوير أدوات حجب الإنترنت والتعرّف إلى الوجوه، إلى جانب هيئة تنظيم الإعلام المرئي والمسموع.

وفي المقابل، أصدر البرلمان الإيراني، الأحد، بياناً شديد اللهجة، دان فيه القرار الأوروبي، واصفاً إياه بـ«التدخُّل السافر والوقح» في الشؤون الداخلية. واعتبر المشرعون الإيرانيون أن أوروبا تحاول «التغطية على فشلها الداخلي» عبر تصدير أزماتها، مؤكّدين امتلاكهم «أدلة دامغة» على تورُّط أجهزة استخبارات أجنبية في إدارة أعمال الشغب. ودافع البيان بأن «الحرس الثوري» هو «أكبر قوّة مكافحة للإرهاب في غرب آسيا»، محذّراً الدول الأوروبية من «تبعات قانونية وسياسية مباشرة» لهذا التصنيف.

ورغم أن قرار البرلمان الأوروبي يحمل ثقلاً سياسيّاً هائلاً، إلّا أن التنفيذ القانوني الكامل لتصنيف «الحرس» «منظّمة إرهابية»، يتطلّب إجماعاً من المجلس الأوروبي (الدول الأعضاء)، وهو ما تقف دونه عقبات قانونية وسياسية من جانب بعض العواصم التي تخشى إغلاق قنوات الدبلوماسية نهائياً. ومع ذلك، يسدل القرار الستار الأخير على حقبة «الانخراط البناء» التي دشّنتها أوروبا مع إيران عقب توقيع الاتفاق النووي (خطّة العمل الشاملة المشتركة) عام 2015، مُعلناً دخول العلاقة مرحلة طلاق قد تكون مريرة. فبعد عقد من ادّعاء الأوروبيين تأدية دور «الوسيط النزيه»، وحفاظهم على قنوات الدبلوماسية مفتوحة لإنقاذ الاتفاق من الانهيار عقب الانسحاب الأميركي عام 2018، تآكلت هذه المقاربة تدريجيّاً تحت وطأة تسارع البرنامج النووي الإيراني، وتعمُّق التباعد الجيوسياسي إثر الدعم العسكري الذي قدمته طهران لموسكو في حرب أوكرانيا، ولاحقاً التحاق العواصم الأوروبية الرئيسة الثلاث (لندن، باريس وبرلين) بسياسة «الضغط الأقصى» من جانب إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على القيادة الإيرانية، وجهود إسرائيل لإطاحة النظام الإسلامي.


سعيد محمد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *