أخبار عربية ودولية

جرحى غزيون على لائحة الانتظار: أكبر الأحلام أبسطها

غزة | على الرغم من أن الحرب وضعت أوزارها، إلا أن جرحها الذي أصاب الغزيين لن يندمل قريباً، بعدما خلّفت حرب الإبادة على مدى عام وثلاثة أشهر، ما يقرب من 111,612 مصاباً، ممّن كانت لهم، يوماً، أهداف وأحلام مستقبلية، أصبحت اليوم مستحيلة المنال تقريباً. وبعينين دامعتين، ودّع رمضان دردس (42 عاماً) من على كرسيه المتحرك، شقيقته العروس التي زُفت إلى عريسها وهو بعيد عنها، قائلاً: “كنت أتمنى مشاركتها فرحتها والرقص معها وحملها إلى عريسها كما كنت أَعدها دائماً”.

ويضيف في حديث إلى “الأخبار”: “أصبحت عاجزاً حتى عن حمل نفسي بعدما أفقدني صاروخ صهيوني قدمي، وأجبرني على الاعتماد على من حولي في كل أمور حياتي”، مضيفاً أنّ أبسط ما يتمناه هو أن يرتدي ملابسه بنفسه، ويأكل ويشرب من دون مساعدة أحد، ويذهب إلى السوق مشياً على قدميه، بعدما أصبح اعتماده بالكامل على زوجته وأبنائه الصغار، ومعرباً عن أمله في تحسن صحته وتركيب طرف صناعي له في القريب العاجل.

وعلى المنوال نفسه، يعيش الشاب مجدي نصار (21 عاماً)، نتيجة إصابته في رجله وبتر يده اليمنى. ويقول نصار لـ”الأخبار”: “الكثير من الأشياء التي أحبها لم أعد قادراً على القيام بها، خاصة دراستي في الهندسة البرمجية والتي تحتاج إلى استخدام اليدين معاً”، لافتاً إلى أن حلمه الكبير كان “افتتاح شركتي الخاصة في البرمجة والتصميم، والتي ذهبت أدراج الرياح بعدما فقدت ساعدي”. وبالنسبة إلى الثلاثينية أميرة غبن، التي أصيبت بكسور في يدها وفخذها اليمنى، فإنّ أكبر الرغبات باتت تقتصر على تمشيط شعرها وحدَها من دون مساعدة من حولها، وتجهيز الطعام لزوجها وطفليها والخروج معهم للتنزه على الأقدام، من دون الكرسي المتحرك.

بدورها، تشير سارة محمد ذات الخمسة عشر ربيعاً، إلى أنها تعبت من النوم على ظهرها طوال الوقت، وأصبحت تتمنى لو أنها قادرة على الجلوس على السرير “وإسناد ظهرها عليه”، في انتظار إرسالها إلى خارج القطاع، بعدما أصيبت بكسور في العمود الفقري – إثر استهداف الاحتلال الإسرائيلي منزل عائلتها في معسكر جباليا -، تسبب بشل الجزء السفلي من جسدها، ومنعها من الحركة خوفاً من تفاقم حالتها وتحول شللها إلى كلي. وتقول سارة إنها “نسيت كيفية المشي على القدمين”، وكثيراً ما تتساءل في نفسها: كيف يمشي هؤلاء الناس؟ وهل يمكن أن أصبح مثلهم؟ فأنا لا أشعر بالجزء السفلي من جسدي”.

لم تكتفِ الحرب بسرقة بيوت الغزيين بل طاولت أطرافهم وأبسط لحظاتهم الجميلة


وفي “مستشفى الحلو” التخصصي، يرقد الجريح الأربعيني أشرف السيد على سريره وهو يئنّ من شدة الألم، إثر إصابة نخاعه الشوكي بشظية صغيرة أدّت إلى شل جسده بالكامل. ويقول الرجل المكلوم بفقدان جل عائلته خلال الإبادة الجماعية على غزة، إن أبسط ما يتمناه في الوقت الحالي هو النوم ولو لدقائق معدودة، بعدما لم يعد جسده “يستجيب لأي نوع من المسكّنات، سواء المسموح منها أو المحظور”، مشيراً إلى أنّه لم يعد يفكر بأي من أفراد عائلته الذين يعزّ عليه فراقهم، “فكل تفكيري في الألم الذي ينخر جسدي ويشل عقلي ويمنعني من النوم”.

وبحركات بطيئة، تتحرك أسماء حمادة متجهة إلى غرفتها للاستلقاء على سريرها، بعدما شعرت بالإجهاد نتيجة جلوسها على الأريكة لمدة لم تزد عن ثلث ساعة. ويعود ذلك الإجهاد السريع إلى إصابتها في مركز الأعصاب في جسدها، بعدما أطبق سقف المنزل عليها، إثر استهدافه من قبل الطائرات الحربية الإسرائيلية قبل نصف عام. وتقول العشرينية أسماء لـ”الأخبار”: “من يشاهدني يظن أنني بصحة جيدة، ولكنّ الواقع الذي أعيشه غير ذلك تماماً، فأنا لا أقوى على حمل أي شيء مهما كان بسيطاً”.

وتبيّن أنها في إحدى المرات حاولت مواجهة حالتها، “فحملت (غلاية) القهوة وفيها القليل من الماء ومشيت باتجاه الغاز، وإذا بها تقع مني من دون أن أشعر بذلك”. وبعد تنهيدة طويلة، تتابع: “بالأمس القريب كانت لديّ أحلام وردية لحياة زوجية سعيدة، بينما اليوم أكبر أحلامي هو أن أعيش بلا أدوية ولا مسكّنات، يتم تغييرها مراراً وتكراراً لاعتياد الجسم عليها وبالتالي استبدالها بأنواع أقوى، ما أدّى إلى عدم استجابة جسدي لأقوى نوع من البنج، وكاد يُغمى عليَّ من الألم”.

هداية محمد التتر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *