أخبار عربية ودولية

فشل مشروع إسقاط النظام: إيران أكثر تحصيناً

أرّخ قرار إيران الدفاع عن سيادتها وأراضيها في وجه الهيمنة الأميركية والإسرائيلية، لميلاد جديد للبلاد، مختلفٍ بمساراته ونهجه بشكل جذري عن المرحلة السابقة، لينقل الدولة والثورة من طور التأسيس والبناء، إلى طور الاقتدار وقطف الثمار. فقد استطاعت إيران تحويل التهديد إلى فرصة حين نجحت في الانتقال من كونها دولة محاصرة تُفرض عليها العقوبات والضغوط القصوى، إلى دولة عتبة نووية تنتج معظم احتياجاتها من مواردها الخاصة. كما أنّ الوسائل الدفاعية والصاروخية التي شاركت في صدّ العدوان، معظمها، إن لم يكن جميعها، هي من إنتاج طهران.

ولم يكن إعلان وقف إطلاق النار مجرّد نهاية حرب، بل بداية النهاية لعقود من التسلّط الأميركي والإسرائيلي على المنطقة، وخطوة أولى في مسار يفرض فيه الجانب الإيراني شروطه، بعدما أثبت قدرته على المواجهة والصمود، والأهم على تهديد المصالح الأميركية متى أراد. وهكذا أجبر الإيلام الإيراني لكيان العدو، الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، على الانتقال من مطالبة إيران بالاستسلام من دون شروط، إلى التضرّع إلى الله بأن يباركها، وذلك نتيجة سوء تقدير في الرهان على إحداث فتنة في المجتمع الإيراني، لتأتي النتيجة معاكسة لتلك الرغبة تماماً، فضلاً عن أنّ التقارير الواردة من طهران تشير إلى قدرة الأخيرة على إبطال أهم الأهداف المتعلّقة بتدمير البرنامج النووي بشكل سريع وربما في غضون أيام.

وكان اعتقد ثنائي الحرب المؤلّف من ترامب ورئيس وزراء العدوّ، بنيامين نتنياهو، بأنّ الجواسيس الموزّعين في أنحاء البلاد، والذين زُوّدوا بالطائرات المسيّرة ووسائل تقنيّة لتحديد الأهداف، ضمن خطّة إسرائيلية – أميركية كاملة الأبعاد، قادرون على إنجاز المهمة المتمثّلة بقلب النظام، أو على الأقل إحداث خللٍ بنيوي في تركيبته لإرغامه على الاستسلام من دون شروط، خصوصاً بعدما تمكّنوا من البدء في تنفيذ الخطّة باغتيال كبار القادة العسكريين والعلماء النوويين وتدمير بعض المنشآت النووية المبنيّة فوق الأرض. ولم يكن تحريض نتنياهو للشعب الإيراني ضد حكومته ووعده إياه بأنّ إسرائيل ستقف إلى جانبه يأتيان من فراغ، لا سيّما وأنّ غياب الردّ الإيراني حوالي 17 ساعة في بداية العدوان، أغرى ثنائي الحرب بنجاح المخطّط، فعاشا نشوة نصر مزيّفة وتعجّلا الاستثمار وجني الأرباح.

وطوال سنيّ الصراع مع إيران، كان يُخدع المستوى السياسي الغربي والأميركي والإسرائيلي بما تقدّمه له أجهزة الاستخبارات من تقديرات وتقارير حول الانقسام الداخلي الإيراني، يبدو أنها كانت تُبنى على الأماني، لا على الوقائع. وممّا غذّى التقييمات الاستخباراتية تلك، الهيكل السياسي الوطني الإيراني المتميّز بديناميكية عالية، إذ يُنتج أحياناً مجموعة من التباينات، يظهّر بعضها نظرة سلبية إلى كثير من الأوضاع السياسية والاقتصادية، وحتى علاقات البلاد الخارجية.

وفّرت الحرب للقوات المسلحة الإيرانية تجربة حيّة بعيداً عن المناورات التي كانت تجري وفق المحاكاة

ورغم الفشل المتكرّر، شكّلت التباينات السياسية الداخلية في إيران حصان طراودة غربياً وإسرائيلياً، يأمل أن يطيح بالنظام؛ وقد صُرفت لهذه الغاية أموال طائلة لاستيعاب النّخب من فنانين، ومشاهير، وعلماء، وأساتذة جامعات، ورياضيين وغيرهم، في مؤسّسات وجمعيات غربية ظاهرها إنساني وخلفيّتها استخباراتية. والهدف الرئيس لتلك المؤسّسات كان تحويل النّخب إلى معارضة النظام ودفعها إلى تشكيل جماعات ضغط من الداخل والخارج.

ولم يتوقّف الأمر عند هذا الحدّ؛ بل جُنّدت مئات الفضائيات وامتلأ الفضاء الافتراضي مع مواقع التواصل التي تُبَثّ باللغة الفارسية، بخطاب موجّه إلى الشعب الإيراني بهدف التأثير في وعيه ومستقبله وقراره السياسي، عبر إذكاء النعرات القومية والمذهبية والاجتماعية والسياسية، وتوظيف المشاكل المحلّية، الاقتصادية والاجتماعية وغيرها، ضد النظام، لاتّهامه بالفشل وبطلان الصلاحية، وبأنه يبدّد أموال الخزينة الإيرانية في مساندة القضية الفلسطينية ومحور المقاومة.

وفي كل مرّة كانت تقع فيها في إيران اعتراضات مطلبية واحتجاجات مشروعة تحت سقف القوانين المحلّية للبلد، كان يخرج زعماء الغرب لمخاطبة الشعب الإيراني ودعوته إلى التمرّد على قيادته، مع إطلاق الوعود بأنّ دولهم حاضرة لملاقاته في متنصف الطريق، إذا ما قرّر الخروج.

على أنّ الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، سمحت للشعب لأول مرة منذ عقود، بأن يعاين تجربة عداء الإدارات الأميركية والغربية المتعاقبة لإيران الدولة والسيادة والاستقلال الوطني، وكشفت عن كذب المزاعم بأنّ العداء مقتصر فقط على النظام وتركيبته السياسية. وأدّت هذه الحرب، في وضوح أهدافها، إلى التأكّد من صوابيّة الخطاب القائم على تعزيز دعائم السيادة الوطنية والاقتدار وتنمية القدرات البشرية وعدم التبعيّة للخارج والاكتفاء الذاتي من موارد البلاد. لا بل يمكن القول إنها وفّرت على القيادة الإيرانية سنوات من الجهد والعناء، بينما تهيّئ الأخيرة الظروف بشكل عاجل للاستجابة لكل مقتضيات المرحلة المقبلة.

ورفعت الحرب الروح المعنوية والشعور بالاعتزاز لدى الشعب الإيراني. وفي الجانب العسكري، وفّرت للقوات المسلحة الإيرانية تجربة حيّة بعيداً عن المناورات التي كانت تجري وفق سيناريوات مفترضة ومحاكاة لبيئة مشابهة لواقع العدو. كما استطاعت هذه القوات اختبار المنظومات المختلفة للأسلحة، وباتت تعرف، بناء على تلك التجربة، نقاط ضعفها وقوتها، وكذلك نقاط ضعف العدوّ وقوته، وكيفية مواجهة التفوّق التكنولوجي والتقنيات العسكرية والذكاء الصناعي.

لقمان عبدالله

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *