مخاوف من تهجير دروز ريف دمشق: بدو السويداء لا يأملون العودة
جرت خلال الأيام الماضية عمليات إجلاء لعائلات العشائر من مناطق مختلفة في محافظة السويداء، جنوبي سوريا، إلى محافظة درعا. وسبق ذلك نزوح طوعي في الاتجاه ذاته هرباً من نيران الحرب، الأمر الذي ينذر بنهج تهجير قسري سبق أن حصل في محافظات سورية أخرى، وربما يؤدّي إلى تغيير ديموغرافي دائم.
وهُجّر نحو 25 ألف شخص من عشائر البدو في السويداء إلى درعا ودمشق خلال المعارك التي دارت في المحافظة ودامت نحو أسبوع، من دون معرفة ما إن كانوا سيعودون أم لا، بينما خرج نحو 1500 شخص قسراً برعاية الحكومة السورية بعد تطبيق اتفاق لوقف إطلاق النار شاركت فيه عدة دول. وبحسب قائد “الأمن الداخلي” في محافظة السويداء، أحمد الدالاتي، فإن “الاتفاق يتيح مغادرة جميع المدنيين الراغبين في الخروج من محافظة السويداء، مع توفير إمكانية الدخول إلى السويداء للراغبين بذلك، وذلك في إطار الجهود المتواصلة لترسيخ الاستقرار وإعادة الأمان إلى المحافظة”.
وكان عبدالله. س (55 عاماً) ومن تبقّى من عائلته، آخر السكان الذين خرجوا من مدينة شهبا من عشائر البدو، حيث فوجئوا صباح الإثنين الفائت بقرار إخراجهم بالحافلات إلى ريف درعا “بما عليهم من ملابس” فقط، بعد أن لجأوا إلى مسجد المدينة لعدة من الأيام خلال المعارك. ويقول عبدالله لـ”الأخبار”: “كنا نحو 300 شخص محاصرين في مدينة شهبا، وطُلب منا الخروج من المحافظة بأكملها. في البداية لم نعرف إلى أين سنذهب ومَن هي الجهة التي ستخرجنا، ليتضح بعدها أن الأمر تنفيذ لأحد بنود الاتفاق”.
ويضيف: “وُضعنا في حافلات اتجهت إلى ريف درعا. حتى إنني اضطررت إلى استقلال حافلة غير تلك التي استقلّها أبنائي الثلاثة. ونُقلت ابنتي المصابة إلى أحد مستشفيات درعا. ولكننا لا نعرف عنها شيئاً”. ويقيم عبدالله حالياً في مدرسة سيتم تجهيزها لتكون مركز إيواء في مدينة إزرع، بينما يقيم أبناؤه في إحدى مدارس قرية جباب. ويشير إلى أنه “لا توجد في المركز أي خدمات حتى الآن. فُتحت لنا الأبواب وقالوا لنا: دبّروا حالكم هاليومين.
يبدو أن ملامح تغيير ديموغرافي في سوريا بدأت تلوح في الأفق
وبالفعل نتدبّر أنفسنا من مساعدات أهل البلدة والجيران”. ويعتقد الرجل أن العودة إلى السويداء صعبة طالما لا توجد دولة قوية تسيطر على الجميع، ويتساءل: “كيف سنعود بعد أن أصبح بين العشائر والدروز الكثير من الدم؟ بتنا نعرف وجوه قاتلينا، وهم أيضاً يعرفون وجوه قاتليهم”.
أما المحامي محمد. ت فغادر منزله في حي الحروبي في مدينة السويداء تحت القصف قبل أن يتم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، ويعيش حالياً في منزل أحد أصدقائه بعد أن تشرّد لعدة أيام في العراء. ويقول لـ”الأخبار” إن “عائلات العشائر التي خرجت من السويداء كثيرة، والمراكز المُفترضة لإيواء النازحين الجدد وغالبيتها غير مجهّزة حتى الآن. تركنا كل أرزاقنا في مدينتنا وهربنا”. ويعتقد هو أيضاً أن العودة إلى الديار باتت شبه مستحيلة.
وتشعر سميحة. ص (33 عاماً) بالعجز أمام الحال التي وصل إليها البدو الذين كانوا يعيشون حياة مستقرة في السويداء. وتؤكد لـ”الأخبار” أن “ألم الخروج من ديارنا من دون أن نأخذ معنا شيئاً، يعادل ألم المجازر والحصار الذي عشناه خلال الأيام الستة قبل التهجير. لا أعرف من هجّرنا ومن المستفيد من ذلك؟ كنا نحن والدروز جيراناً وأصدقاء. كيف تحوّلنا إلى أعداء لا يمكننا العيش معاً؟”.
خرائط جديدة
يبدو أن ملامح تغيير ديموغرافي في سوريا بدأت تلوح في الأفق، حيث يرى أستاذ العلوم السياسية، باسم نعمان، أن ما حصل في السويداء بعد إخراج البدو من المحافظة، قد يكون مقدّمة لتغيير من هذا النوع، خاصة مع وجود إرهاصات ومقدّمات لذلك في عدة قرى في محافظتي حمص وحماة.
ويقول لـ”الأخبار” إن “ما نخشى منه، إذا اكتمل هذا السيناريو، ولم تجرِ إعادة البدو إلى السويداء، أن يكون هناك تهجير مضاد للدروز من جرمانا وصحنايا في ريف دمشق في اتجاه السويداء، أي عملية تبادل، وهذا سيولّد حساسيات ومظلوميات كثيرة، وسيزيد الشرخ المجتمعي بين السوريين. وهذا يحصل عادة عندما تضعف الدولة، حيث يلجأ المواطن إلى البنى أو الهويات الفرعية الدنيا، أي هويات ما قبل دولته، كالعشائرية والطائفية والقبلية”.
ويضيف: “قد يكون الحل معروفاً لدى الكثير من أبناء سوريا، وهو عقد مؤتمر حوار وطني حقيقي يتم فيه تمثيل جميع المكوّنات على أساس المواطنة، وبعيداً عن مبدأ أقلية وأكثرية، حوار بين شركاء وطن حقيقيين، برعاية الأمم المتحدة، للوصول إلى حكومة تشاركية مستقرة، يتم انتخابها وفق قانون انتخاب حقيقي ومجلس شعب فاعل. غير ذلك يُخشى أن تكون هناك إعادة رسم خرائط ديموغرافية جديدة في المنطقة بفاعلين إقليميين ودوليين”.
استجابة مشتركة
يؤكد مدير “وحدة التواصل والإعلام” في “الهلال الأحمر السوري”، عمر المالكي، لـ«الأخبار» أن “الهلال الأحمر يساهم في تجهيز مراكز الإقامة المؤقتة للعائلات الوافدة من السويداء إلى درعا وريفها، عبر المشاركة في تأمين أساسيات الإقامة في تلك المراكز بالتنسيق مع غرفة عمليات وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، والتعاون مع عدد من الجمعيات المحلية والمنظّمات الدولية”.
ويقول: “يشمل تجهيز تلك المراكز تأمين مياه الشرب والمواد الغذائية والإيوائية، وتقديم خدمات العيادات الطبية المتنقّلة، إضافة إلى العمل على دعم المجتمعات المضيفة للعائلات الوافدة حتى تكون قادرة على حمل العبء الإضافي في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة”، مضيفاً أن “الهلال يسرّع التدخّل في المناطق الأكثر احتياجاً وفق قدرته على الوصول الآمن”.
لمياء ابراهيم

