مقالات

كلام مهم لرئيس أركان جيش الاحتلال

ناصر قنديل

– لا ينتمي رئيس أركان جيش الاحتلال ايال زامير إلى نموذج مشابه لرؤساء الأركان الذين يشبهون الجيل المؤسس للجيش، مثل اسحق رابين وإيهود باراك، ولا إلى المعسكرات العلمانية في المجتمع، مثل هرتسي هليفي، فقد جاء به رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو من بين الضباط الذين عاشوا في المستوطنات وآمنوا بالثقافة الدينية المتطرفة، وقد خاض زامير خلال شهور حرب نتنياهو التي استدعت مواصلتها تنحية وزير الحرب يوآف غالانت، ورئيس الأركان هرتسي هليفي، ورئيس الشاباك رونين بار.

– بعد شهور يعاني هليفي من ضغوط متعدّدة، من جهة جبهة قتال متعبة ومعقدة في غزة، حيث المقاومة تعيد ترتيب أوراقها رغم الاحتلال والتدمير والقتل والملاحقة، وتنجح بإثبات تفوّقها الميدانيّ على جيش الاحتلال، وقد أظهرت المقاومة إضافة إلى البسالة والروح المعنوية المرتفعة كفاءة ومهارة في التكتيكات الحربيّة، وقامت بتطويع وتدريب الآلاف وزجّت بهم في الحرب، وخلال ولاية زامير في رئاسة الأركان زاد عدد القتلى عن المئة بين ضباط وجنود الاحتلال، أي خمسة أضعاف عدد الأسرى الأحياء المطلوب استعادتهم، من دون أن ينجح جيش الاحتلال بإحداث أي تغيير في البيئة الاستراتيجيّة للحرب.

– يعاني هليفي ضغوطاً شديدة من المستوى القيادي الأول في الجيش محورها من جهة الحاجة لتسريح جنود الاحتياط الذين تجاوزت خدمتهم المدة الطبيعية لبقائهم في الميدان، ومن جهة مقابلة العجز عن إقناع العدد الكافي من الاحتياط بالالتحاق للحلول مكان من يجب تسريحهم، ومن جهة ثالثة أزمة كبرى في تطويع جنود جدد، ومن ضمن الأزمة التجاذب الحاد حول تجنيد الحريديم، لكن الأرقام هي الأرقام، فالجيش يحتاج إلى 7500 ضابط و30 ألف جندي، والبيئة الاجتماعية التي كانت تساند الجيش في كل الحروب منقسمة بين أغلبيّة لا ترى للحرب هدفاً واضحاً وتدعو لإيقافها، وأقليّة تتضاءل كل يوم وتتمسك بمواصلة الحرب مهما كان الثمن.

– على خلفيّة كل هذه التعقيدات تحدّث أمس، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي، أيال زامير، على ضرورة التوجّه نحو هدنة طويلة الأمد في قطاع غزة، حتى في ظل عدم القضاء على حركة حماس، وقال خلال اجتماع عقد في قاعدة غليلوت العسكرية بحضور هيئة الأركان العامة وقيادات عملياتيّة، وفي أول تقييم شامل للوضع يعقده زامير منذ اندلاع حرب 7 أكتوبر، فقال إن الجيش بحاجة إلى “استراحة عملياتيّة” بعد نحو عامين من القتال المستمر، الذي عطّل خطط إعادة بناء جيش الدفاع وتطويره، مشيراً إلى أن استمرار القتال في غزة فرضه قرار القيادة السياسية مطلع عام 2025. مشدداً في الوقت نفسه على أن “عام 2026 سيكون عام الاستعداد والتعزيز وبناء الكفاءة القتاليّة مجدداً».

– كلام زامير ليس عادياً، فهو ليس خبيراً عسكرياً ولا معلقاً في صحيفة، هو رئيس الأركان، الذي يصدر تقييماً استراتيجياً حول درجة جاهزيّة الجيش للمشاركة في الحروب، يقول عملياً إن الجيش استنفد قدرته على مواصلة الحرب وإنه يحتاج إلى هدنة طويلة ليرتاح ويستعيد كفاءته ويعيد ترميم صفوفه وهيكلة قواته وتطويع احتياجاته البشريّة وتسريح الاحتياط لاستعادة الحيويّة إلى بنيته، وهذا الكلام يذكّر بكلام رئيس حكومة الكيان بنيامين نتنياهو بعد وقف إطلاق النار مع لبنان، عندما وضع حاجة الجيش للنقاهة والترميم ضمن الأسباب التي جعلته يقبل وقف النار الذي لا ينص على إنهاء سلاح المقاومة اللبنانيّة.

– إذا أضفنا إلى كلام زامير ما سبق وقاله خبراء إسرائيليون وأميركيون عن تعقيدات تقنية يعاني منها الجيش، أهمها تراجع مخزون الذخائر التقليديّة التي يستخدمها في حروبه، وأهمها صواريخ الدفاع الجوي وقذائف المدفعيّة، وتردّي مستوى كفاءة آلياتِهِ بعد العدد الهائل من دبّاباته التي تمّ تدميرها والشاحنات والجرافات التي أحرقت، بحيث باتت التحركات البرية مثقلة بالترهل المزدوج في حالة البشر والآليات، كأيّ جيش من جيوش العالم الثالث، بعدما كان الجيش يباهي بأنّه في طليعة جيوش الدول المتقدّمة كفاءة قتالية.

– عندما يدفع نتنياهو زامير لقول ما قاله عن إصابة الجيش بالإنهاك وحاجته للراحة، ويضيف الاعتراف بمخاطر تحيط بالجيش الإسرائيلي وتماسكه الداخليّ، في إشارة إلى التوترات المتزايدة داخل المؤسسة العسكريّة بسبب استنزاف القوات وعدم استقرار الرؤية السياسية، ويشير إلى أن استمرارية القتال دون وضوح استراتيجيّ أو دعم شعبيّ واسع تمثل تحدّياً كبيراً، فهذا يعني أن حالة الإنكار التي يعبّر عنها نتنياهو لن تستطيع الصمود أمام قوة الوقائع، خصوصاً أن حال الجيش وحال الجبهة الداخلية وحال الجبهات الخارجية كلها تضغط باتجاه واحد، هو وقف الحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *