مقالات

المقاومة لا ترفع الراية البيضاء: الرد على دعوات الاستسلام في الاردن

د. معن علي المقابلة

في خضم العدوان المتواصل على قطاع غزة، تخرج بعض الأصوات، ومنها ما هو رسمي أو شبه رسمي، لتدعو المقاومة إلى “رفع الراية البيضاء”، في إشارة صريحة إلى الاستسلام. وكان آخرها ما صرّح به عضو مجلس الأعيان الأردني عمر العياصرة، حين طالب المقاومة بأن تعلن استسلامها كما فعل إمبراطور اليابان بعد الحرب العالمية الثانية.

هذا الطرح، رغم تكراره وسقوطه الأخلاقي والسياسي، لا يمكن تجاهله، لأنه يعبّر عن تيار لا يرى في المقاومة مشروع تحرر، بل عبئًا يجب التخلص منه بأي ثمن. ولذلك، لا بد من مواجهته، لا جدلًا مع شخص القائل، بل لتحصين الرأي العام من الانخداع بمنطقٍ مشوّهٍ يخلط بين الحروب النظامية ومقاومة الاحتلال.

إن مقارنة المقاومة في غزة باليابان المهزومة في حرب عالمية بين جيوش كبرى، هو تجاهل فاضح لحقيقة أن ما يجري هو صراع بين شعب محاصر ومُحتل، وبين قوة استعمارية استيطانية تفرض وجودها بالقوة.

المقاومة الفلسطينية ليست دولة انهزمت، بل هي امتداد لحركات تحرر وطني خاضت معاركها ضد قوى استعمارية تفوقها عتادًا وعددًا، ومع ذلك، لم ترفع راية الاستسلام يومًا، بل واصلت الطريق حتى التحرير.

وهذه بعض الشواهد التاريخية:

  • فيتنام: انتصرت بعد حرب طويلة (1955–1975) ضد الولايات المتحدة، رغم القصف العنيف واستخدام الأسلحة المحرّمة. كانت مدعومة من الاتحاد السوفييتي والصين، ولكن الأساس كان صمود شعبها وإرادته.
  • الجزائر: نالت استقلالها بعد ثورة مسلحة (1954–1962) ضد الاحتلال الفرنسي. أكثر من مليون شهيد سقطوا في حرب دعمها العرب، خاصة مصر عبد الناصر.
  • أفغانستان: قاومت الغزو السوفييتي (1979–1989) ثم الاحتلال الأمريكي (2001–2021)، في معارك شديدة القسوة، واعتمدت بدرجة كبيرة على ذاتها، حتى أجبرت أقوى الإمبراطوريات على الانسحاب.
  • أمريكا اللاتينية: حركات التحرر في القرن التاسع عشر بقيادة سيمون بوليفار وغيره حررت معظم القارة من الاستعمار الإسباني، دون امتلاك جيوش ضخمة أو توازن قوى.

ما يجمع هذه النماذج هو أنها لم تستسلم، رغم قلة الإمكانات، بل راهنت على الوقت والصبر وتلاحم الشعوب. وهو بالضبط ما تفعله اليوم المقاومة الفلسطينية، التي تقف وحيدة في وجه مشروع توسعي مدعوم من القوى الكبرى، بل ومن محيطها العربي الرسمي.

المقاومة ليست حالة استثنائية، بل امتداد طبيعي لحركات التحرر في التاريخ. وما يُطلب منها اليوم من “واقعية” زائفة و”عقلانية” كاذبة، ما هو إلا اسم جديد للاستسلام.

السلام لا يُفرض بالهزيمة، ولا يُولد من الخضوع، بل يُصنع حين يدرك العدو أن المقاومة لا تنكسر.

باحث وناشط سياسي/ الاردن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *