Skip to content
د. عبدالرزاق بني هاني
تُعد العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل واحدة من أقوى الشراكات الثنائية وأكثرها أهمية في العلاقات الدولية الحديثة. فقد قدمت الإدارات الأمريكية، المتعاقبة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم نشؤ الكيان الصهيوني في فلسطين، دعماً دبلوماسياً وعسكرياً واقتصادياً كبيراً للدولة الصهيوينة، تحت إدارات ديمقراطية وجمهورية على حدٍ سواء. ولم يكن هذا الدعم المستمر وليد الصدفة، بل هو نتيجة جهد متطور ومتعدد الأوجه وممول جيداً من قبل مجموعة متنوعة من المنظمات والدوائر المؤيدة للصهيونية. ويُمارَس هذا النفوذ عبر عدة قنوات رئيسية، تعمل جميعها ضمن الإطار القانوني والسياسي للولايات المتحدة، لكن العمل السري والإبتزاز الذي يُمارسه اليهود الصهاينة، للرؤساء الأمريكين منذ الرئيس هاري ترومان، وحتى هذه اللحظة لم ينقطع، وقد يكون أكثر أثراً من الأعمال المُعلن عنها، والمعروفة من قبل خاصة الناس وعامتهم. وقد بين غيضٌ من فيضِ الأحداث، ومنها فضيحة بيل كلينتون مع مونيكا لوينسكي (الصهيونية)، وتهديد نتنياهو لبيل كلينتون، حينها بأنها سيحرق واشنطن، إذا لم تلبَ طلباته وقتئذٍ، والفضيحة التي تتكشف يوماً بعد يوم عن جيفري إبيستين (الصهيوني) مع دونالد ترامب، حول اغتصاب الفتيات القاصرات؛ تُبين بأن الصهيونية متمكنة من أمريكا، الدولة العظمى. وهذا ليس بمستغرب، إذا علمنا النتائج الواقعية لهذا التأثير والتمكن.
أولاً) قوة جماعات الضغط المنظمة:
تُعد ممارسة الضغط (اللوبي) جانباً أساسياً من النظام السياسي الأمريكي، لكنها تُمارس بتحفظ كبير، باستثناء ما يتعلق بالدولة الصهيونية. وقد طورت الجماعات المؤيدة للصهيونية واحدة من أكثر عمليات الضغط فعالية وتأثيرأً في واشنطن العاصمة. ويقود هذا الجهد عددٌ من المنظمات الرئيسية التي تختلف في قواعدها وتكتيكاتها، لكنها تشترك في هدف واحد، وهو جعل العلاقة بين الولايات المتحدة والدولة الصهيوينة وكأنها علاقة عضوية بين كائنين (Symbiotic)، لا يعيش أحدهما من غير الآخر:
لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) (AIPAC): تُعتبر ” إيباك ” في كثير من الأحيان أبرز جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، وتتمثل مهمتها الرئيسة في الدعوة للتشريعات والسياسات التي تعزز تفوق الدولة الصهيوينة، على كل مُحيطها العربي والإسلامي. ومن شدة الخبث الصهيوني وخبرة الصهيوينة بعلم النفس الاجتماعي، سُجلت إيباك، في الولايات المُتحدة، على أنها منظمة رفاء اجتماعي، تحت تصنيف (501(c)(4)). لكن جميع أعمالها محصورة بالعمل السياسي الهادف، وتُمارس قوتها الهائلة في مجالات مُتعددة:
الضغط المباشر: يعقد موظفو ” إيباك ” المحترفون وأعضاؤها من الأمريكيين الصهاينة آلاف الاجتماعات سنوياً مع أعضاء الكونغرس وموظفيهم ومسؤولي السلطة التنفيذية. يقدمون خلالها تلخيصات سياسية مفصلة، وصياغات تشريعية، وحججاً تؤطر السياسات المؤيدة للكيان الصهيوني في فلسطين، وتُقدَم على أنها في المصلحة الوطنية لأمريكا.
التعبئة الشعبية: ونتيجة لعدد أعضائها الكُثر، والمُنتشرين في جميع الولايات الأمريكية، تستطيع ” إيباك ” حشد الناخبين، والاتصال بمسؤوليهم المُنتخبين بشأن الأصوات الرئيسية في الكونغرس، ما يخلق ضغطاً سياسياً كبيرًاً
شبكة المانحين: لا تتبرع ” إيباك ” في الحملات الإنتخابية، بشكلٍ مباشرة، لكنها تلعب دوراً حاسماً، كمرشد سياسي، وصانعٍ للسياسات المتعلقة بالدولة الصهيوينة، ومحيطها العربي. ويُعد أعضاؤها جزءاً من شبكة واسعة من المانحين الناشطين سياسياً، الذين يُساهمون في دعم المرشحين المؤيدين لأجندة ” إيباك “، ولأجندة الصهيونية على المُستوى العالمي. وقد شكّل إطلاق ” مشروع الديمقراطية الموحدة” (United Democracy Project)، وهي لجنة عمل سياسي كبرى (Super PAC) تابعة لقادة ” إيباك ” في العام (2022) ، تدخلاً أكثر مباشرة وقوة في تمويل الحملات الانتخابية، حيث أنفقت الملايين لدعم المرشحين المؤيدين للدولة الصهيوينة في فلسطين المُحتلة، ومعارضة منتقديها، وتشويه سمعتهم، وإلصاق تهمة معادة السامية بهم.
مسيحيون متحدون من أجل إسرائيل: (Christians United for Israel)، أو ما يُعرف تحت مختصر كوفي (CUFI)، هي أكبر منظمة مؤيدة للكيان الصهيوني في الولايات المتحدة، وتضم ملايين الأعضاء. وتمثل هذه المنظمة القاعدة الانتخابية الحاسمة للصهيونية المسيحية. وتستمد نفوذها في المقام الأول من قاعدتها الشعبية المُضلَلة:
الدافع اللاهوتي: بالنسبة للعديد من أعضائها، يُعد دعم الصهيونية واجباً إنجيلياً. وهو ما يوفر قاعدة لناشطين ملتزمين ومتحمسين بشدة.
تعبئة الناخبين: يجعل حجم منظمة (CUFI) منها كتلة تصويتية مهمة في العديد من الولايات والدوائر الانتخابية، خاصة داخل الحزب الجمهوري. وعادة تجتمع قمتها السنوية في واشنطن، وتأتي بالآلاف من النشطاء للضغط مباشرة على ممثليهم. وقد تمكنت منظمة كوفي من الدفع بالعديد من اليهود الصهانية، الذين يحملون الجنسية المُزدوجة، ليُصبحوا أعضاء في مجلسي النواب والسيوخ الأمريكيين، من العديد من الولايات، كي يكون تمثيلهم مغطياً لأوسع مساحة من جغرافيا الولايات المُتحدة.
ثانياً) صياغة الخطاب: الرأي العام والمناخ الفكري:
يمتد النفوذ السياسي الصهيوني إلى ما هو أبعد من أروقة الكونغرس، فهو يشمل تشكيل البيئة العامة والفكرية التي تُتخذ فيها القرارات السياسية.
مراكز الفكر والأبحاث: يركز عدد من مراكز الأبحاث المؤثرة في واشنطن العاصمة على صياغة السياسات نحو المنطقة العربية. وغالباً يُنتج هذا المركز أبحاثاً، فيها كثير من التلفيق والكذب الاستراتيجي، في سبيل دعم التحالف الأمريكي – الصهيوني.
معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: تأسس هذا المعهد في العام (1985) على يد قادة سابقين في ” إيباك “، وهو مؤسسة بارزة يدلي العاملون فيه بشهاداتهم الملفقة وغير الموضوعية، بشكل متكرر، أمام الكونغرس، ويكتبون مقالات رأي في الصحف الكبرى، ويقدمون تعليقات الخبراء على شاشات التلفزيون. ويوفر المعهد الإطار الفكري والسياسي للعديد من الحجج الكاذبة المؤيدة للصهيوينة.
مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات: ( Foundation for Defense of Democracies) (FDD)، تشتهر بموقفها المتشدد، لا سيما فيما يتعلق بكل ما يتعلق بالإسلام، وتلفق الأخبار، وتعمل على صياغة السياسات التي تتماشى مع المصالح الأمنية للكيان الصهيوني.
المناصرة في الجامعات ومراقبة الإعلام: إدراكاً لأهمية تشكيل أجيال المستقبل من القادة، تنشط مجموعات كحركة (Stand With Us) ومشروع داود (The David Project) و(Hillel International)، في حرم الجامعات، للترويج للروايات الكاذبة المؤيدة للصهيوينة، ومكافحة حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات. وتقوم منظمات أخرى، كلجنة دقة التقارير الإعلامية في الشرق الأوسط في أمريكا، بمراقبة التغطية الإعلامية وتحدي ما تعتبره تحيزاً ضد الصهيونية.
ثالثاً) التحالف الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصهيونية: الإطار الحكومي:
تُبنى جهود جماعات المناصرة على تحالف استراتيجي رسمي بين الحكومتين؛ الأمريكية والصهيونية في فلسطين المُحتلة، وهو تحالف ترسخ على مدى عقود. ويخلق هذا التحالف حلقة ذاتية التعزيز حيث يُبررُ التعاون الحكومي مزيداً من الدعم، تدافع عنه جماعات الضغط باستمرار وقوة.
التعاون العسكري والاستخباراتي: يُعتبر تسليح الكيان الصهيوني في فلسطين المُحتلة حجر الزاوية في العلاقة بين الطرفين. فتقدم الولايات المتحدة للكيان الصهيوني مساعدات عسكرية بمليارات الدولارات سنوياً، تحكمها مذكرة تفاهم مدتها (10) سنوات. ويُلتزم الاتفاق الحالي، الموقع في العام (2016)، بتقديم دعمٍ مقداره (38) مليار دولار خلال الفترة (2019 – 2028)، أي بمعدل يصل إلى (3.8) مليار دولار أمريكي، في السنة. تخدم هذه المساعدات عدة أهداف:
تضمن الحفاظ على “التفوق العسكري النوعي” للكيان الصهيوني على كل الدول العربية.
يتم إنفاق جزء كبير من المساعدات على معدات هجومية، أمريكية الصنع، ما يؤدي إلى خلق وظائف في الصناعات العسكرية للولايات المتحدة. وهذا الإنفاق هو القاعدة المؤيدة لهذه المساعدات داخل مُجمع الصناعات العسكرية الأمريكية.
يتعاون الطرفان في تكنولوجيا الهجوم العسكري، والدفاع الصاروخي، كأنظمة ” القبة الحديدية” و” السهم” و ” مقلاع داوود”
وفي هذا الإطار تتشارك وكالات الاستخبارات الأمريكية مع الصهاينة، في فلسطين المُحتلة، المعلومات الاستخباراتية حول التهديدات من الدول والجهات الفاعلة غير الحكومية، ويحدث ذلك بشكل عميق ومكثف.
الدعم الدبلوماسي: استخدمت الولايات المتحدة بشكل متكرر حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن الدولي لعرقلة القرارات التي تنتقد جرائم الصهيونية في فلسطين المُحتلة ولبنان، بخاصةٍ ما يتعلق بسياساتها تجاه الفلسطينيين، واحتلالها للأراضي الفسلطينية منذ العام (1948) وحتى هذه اللحظة.
رابعاً) تنوع الآراء والأصوات المعارضة:
من الأهمية بمكان أن نفهم أن المجتمع ” المؤيد للصهيونية” ليس كتلة واحدة متجانسة. ففي السنوات الأخيرة، كان هناك صعود كبير لمجموعات، رغم دعمها لوجود الدولة الصهيونية في فلسطين المُحتلة، تنتقد بشدة سياسات حكومتها وتدعو إلى نهج أمريكي مختلف. ومنها:
جي ستريت (J Street): تأسست في العام (2007)،
وتصف نفسها بأنها “مؤيدة لإسرائيل، مؤيدة للسلام”. وقد رسخت نفسها كثقل ليبرالي موازن لـ”إيباك”. تضغط “جي ستريت” من أجل حل الدولتين، وتعارض التوسع الاستيطاني الصهيوني في الضفة الغربية، وكانت من المؤيدين الرئيسيين للاتفاق النووي الإيراني، الذي عارضته “إيباك” بشدة. وتدير “جي ستريت” لجنة عمل سياسي خاصة بها وأصبحت قوة مؤثرة داخل الحزب الديمقراطي.، لكنها ضعيفة، وقد تعمل على تشتيت الإنتباه عن الجرائم الحقيقية للصهوينة.
الجماعات التقدمية والمناهضة للصهيونية: وعلى يسار الطيف السياسي، توجد مجموعات كالصوت اليهودي من أجل السلام (Jewish Voice for Peace – JVP)، و إن لم يكن الآن (If Not Now) ، وغالباً تكون هذه المنظمات مناهضة للصهيونية أو غير صهيونية وتدافع عن حقوق الفلسطينيين، لكنها ضعيفة ومُشتتة للانتباه. وعلى الرغم من ذلك فهي تنتقد بشكل علني العلاقة بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني في فلسطين المُحتلة، وتنخرط في الاحتجاجات والدعوة لسياسات تفرض ضغوطاً على الصهيونية.
في معتقدي الفكري الذي ترسخ خلال حياتي غير القصيرة في الولايات المُتحدة، ودراستي للمارسات الصهيونية على مدار خمسين عاماً، لمست بأن نفوذ المنظمات الصهيونية وغيرها من الجماعات المؤيدة للكيان الصهيوني، في فلسطين المُحتلة، على السياسة الأمريكية لم يكن نتيجة لمؤامرات سرية فحسب، بل هو نتاجُ استراتيجية سياسية فعالة للغاية، مليئة الموارد، لكنها ليست شفافة. ولنأخذ أوضح خمسة أمثلة على كيفية توظيف الصهيوينة لأدوات إجرامية وغير أخلاقية في سبيل تحقيق مآربها الشريرة: أولها) مقتل الرئيس جون كيندي في ستينيات القرن الماضي، والأخبار التي تداولتها بعض دوائر الاستخبارات بأن الصهيوني ليفي إشكول، ومن قبله ديفيد بنغوريون، كانا وراء اغتياله، في سبيل التكتم على الملف النووي الصهوني. وثانيها) فضيحة بائعة الهوى مونيكا لوينسكي مع الرئيس بيل كلينتون، وكيف تمكن بنيامين نتينياهو من استغلال ذلك وابتزازه لكلينتون. وثالثها) فضيحة صاحب ماخور الأطفال جيفري إبستين مع الرئيس الحالي دونالد ترمب، في سبيل تأمين دعم الإدارة الأمريكية وسكوتها على إبادة الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية. وقد علق الإعلامي الشهير توكر كارلسون (Tucker Carlson)، على ذلك، بأعلى صوت قائلاً بأن جيفري إبستين كان يعمل لصالح الحكومة الصهيونية، في فلسطين المُحتلة. ومن الجدير بالعلم أن كارلسون قد عمل في محطة فوكس نيوز لسنوات عديدة، وهو يُشوه سمعة المسلمين، وكان متحيزاً بشكل صارخ للصهيوينة، لكنه انشق أخيراً عن صفوفها، نتيجة للفضاعات الصهيونية التي شاهدها في غزة. ورابعها) فضيحة الجاسوس الأمريكي – الصهيوني جونثان بولارد (Jonathan Pollard)، الذي نقل نتاجاً من العمل الاستخباري الأمريكي إلى الكيان الصهويني، بشكل سري. وخامسها) السيطرة الصهيونية على المجتمع الأكاديمي الأمريكي. فقد بينت الدراسات بأن ما يزيد عن (20) صهيونياً كانوا، وما زال البعض منهم، رؤساء لأفضل وأشهر الجامعات الأمريكية، إلى جانب الأقسام الأكاديمية المتنوعة. ويُستدل من هذه العينة البسيطة من الأحداث والممارسات بأن الصهيونية متغلغلة في الجسد الحكومي الأمريكي. وإذا أضفنا إلى ذلك شبه السيطرة الكاملة على شبكة الإعلام، وشبكات التواصل الاجتماعي، سنجد ما يُثبت بما لا يدع مجالاً للشك بأن الصهاينة هم من يديرون المشهد الأمريكي برمته، على الأقل ذلك الجزء المتعلق بالشرق العربي.
إلى جانب الكثير من الأحداث التي غفِلَ عنها العرب والمسلمون، ينبغي أن لا ننسى عمليات التجسس التي مارسها العديد من الصهاينة لعقودٍ طويلة، في الولايات المُتحد، لكنها كانت عمليات موجهة ضد الولايات المُتحدة نفسها. فهي تجمع بين الأعمال السرية غير الأخلاقية، والاستخباراتية، والضغط المباشر القوي، والتبرعات الكبيرة للحملات من شبكة من الأفراد الصهاينة ولجان العمل السياسي التابعة لها، والتعبئة الشعبية المُضلِلة، وصياغة الرأي العام ورأي النخبة، والتوافق مع المصالح الاستراتيجية المتصورة لأمريكا نفسها. والنتيجة هي تحالف راسخ ومرن صمد أمام التحولات في المشهد السياسي. ومع ذلك، فإن التنوع المتزايد في الآراء داخل المجتمع الأمريكي، المقموع في القضايا المتعلقة بمناهضة للصهونية، يشير إلى أن طبيعة ومدى النفوذ الصهيوني سيظلان موضوع نقاش حاد ومنافسة سياسية في المستقبل المنظور.
أستاذ في جامعة اليرموك – الأردن، وأمين عام وزارة التخطيط سابقاً، ورئيس جامعة جرش (الأردن) سابقاً ونائب رئيس هيئة مكافحة الفساد سابقاً (الأردن)