مهلة أميركية… لروسيا أيضاً: ترامب ييأس من السلام الأوكراني
جاء تلويح الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قبل ساعات، بفرض عقوبات إضافية على روسيا خلال مهلة عشرة أيام، في حال عدم وقفها القتال في أوكرانيا، معطوفاً على قرارات سابقة في منتصف الشهر الجاري، بمدّ أوكرانيا بأسلحة دفاعية وهجومية جديدة بقيمة قدّرت بنحو 10 مليارات دولار (شملت 18 صاروخاً بعيد المدى من نوع “أتاكمز” الهجومية، وفقاً لتقارير صحافية)، ليعاكس وعوده الانتخابية بـ«تحقيق السلام خلال أيام» بين الروس والأوكرانيين. ولربما يشير ذلك إلى بدء مرحلة جديدة على مستوى العلاقات الأميركية – الروسية، بعدما بدا وكأنّ ترامب، منذ عودته إلى البيت الأبيض، كان يمنّي النفس بـ«مرونة» روسية بدت مغيّبة بشكل شبه تام خلال الأيام الأخيرة، مع توالي المواقف المتشدّدة من جانب موسكو، والمتمسّكة برؤية «جذرية» لحلّ الصراع الأوكراني، تتجاوز حدود الجارة الغربية لروسيا، نحو ما قد تعتبره الأخيرة «إعادة تصويب» للعلاقة مع «الناتو».
وعبّر عمّا تقدّم بوضوح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الذي كرّر شروط بلاده لوقف الحرب، والمتمثّلة بثلاثية رفض انضمام أوكرانيا إلى «الناتو»، ووقف توسّع الحلف على حدود روسيا، والاعتراف بسيادة الأخيرة على الأراضي التي ضمّتها من جارتها. وفي الاتجاه نفسه، أوضح المتحدّث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف، أنّ أي لقاء مرتقب بين الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ونظيره الأميركي يجب أن يكون «ثمرة أعمال تحضيرية للتسوية الأوكرانية، وليس لبحث ومناقشة مسوّدات معايير هذه العملية»، في حين علّق نائب رئيس مجلس الأمن الروسي، ديمتري ميدفيديف، على المهلة الأميركية المعطاة لبلاده، بوصفه إياها بأنها «لعبة إنذار» غير مقبولة، و«خطوة لجرّ واشنطن نحو الحرب»، وإن كانت موسكو حاولت لاحقاً تلطيف كلام ميدفيديف عبر الإيحاء بتمسّكها بما سمّته «تطبيع» العلاقات مع واشنطن.
في ضوء ذلك، يبدو مفهوماً للبعض أن يحمل كلام ترامب «إحباطاً»، سواء من العجز عن إقناع موسكو بأي صفقة جزئية مع كييف، أو من صعوبة تحقيق الجانب الأوكراني لإنجاز عسكري، أو بالحدّ الأدنى لصمود ميداني في وجه روسيا. والواقع أنّ الجيش الأوكراني يواجه صعوبات متزايدة بالفعل، بخاصة على مستوى العديد، بعدما أقرّت حكومة فولوديمير زيلينسكي قبل يومين قانوناً يتيح التعاقد مع متطوّعين ممّن تتجاوز أعمارهم الـ 60 عاماً، في وقت واصلت فيه القوات الروسية خلال الأيام القليلة الماضية تقدّمها، ولا سيّما على جبهات دونيتسك، وزابوروجيا.
خيارات ترامب: لا بديل من العقوبات
لم تتأخّر روسيا في الردّ على تهديدات ترامب بتصعيد هجماتها على الداخل الأوكراني، والتي أسفرت خلال الساعات الماضية عن مقتل ما لا يقلّ عن 25 مدنياً، وفقاً لمسؤولين أوكرانيين. وجاء ذلك في موازاة ضربات «سيبرانية» متبادلة بين موسكو وكييف، تعرّضت خلالها الأولى لهجمات طالت بعضها شركة «Aeroloft» للطيران، في مقابل إعلان الثانية عن تعرّضها للآلاف من تلك الهجمات منذ العام 2022.
وبناءً على هذا الجو التصعيدي، والذي يظلّله ضيق خيارات ترامب في الضغط على موسكو، شكّكت شبكة «سي إن بي سي» الأميركية في احتمال أن تسفر تهديدات الولايات المتحدة عن إقناع روسيا بالجلوس إلى طاولة المفاوضات «بحسن نيّة»، ناهيك باستئناف المحادثات مع حكومة زيلينسكي، معتبرة أنّ هناك «فجوة بين مطالبة ترامب بالتوصل إلى اتفاق سلام وأي عقوبات أخرى»، لكون خيار العقوبات، بخاصة الاقتصادية منها، يستدعي «الاستعداد للقتال» مع قوى كبرى تجارية شريكة لروسيا، كبكين التي لن تكون في وارد الانصياع لما تطلبه واشنطن.
وبحسب الشبكة، فإنّ التقدير في الكرملين، هو أنّ «الولايات المتحدة في عهد ترامب غير قادرة على اتّباع سياسة منهجية توفّق بين دعم أوكرانيا من جهة، وممارسة الضغوط على روسيا، من جهة ثانية». أمّا التقدير في الولايات المتحدة، فهو يشي بأنّ ترامب «بات يدرك أنّ المشكلة لا تكمن لا في أوكرانيا، ولا في زيلينسكي، بل في بوتين، بعدما كان واثقاً بشدّة من قدرته على عقد صفقة (مع الرئيس الروسي)»، وفقاً لمات داس، نائب الرئيس التنفيذي في «مركز السياسة الدولية».
وضمن الإطار نفسه، رأت إيفلين فاركاس، التي شغلت سابقاً منصب مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون روسيا وأوكرانيا وأوراسيا، أنّه يتعيّن على البيت الأبيض «توجيه رسالة إلى روسيا مفادها أنها لا تستطيع كسب الحرب عسكرياً»، موضحة أنّ توجيه رسالة بهذا الخصوص يمكن أن يتم عبر إجراءات عدّة، من أهمّها «زيادة المساعدات العسكرية، وتشجيع أوكرانيا على المخاطرة بشكل أكبر في استخدام المعدّات العسكرية الغربية»، إضافة إلى «العمل مع الحلفاء لاستخدام الأصول الروسية المجمّدة للمساعدة في ضمان استمرار توريد الأسلحة» لحكومة زيلينسكي.
لم تتأخّر روسيا في الردّ على تهديدات ترامب بتصعيد هجماتها على الداخل الأوكراني
بدوره، رأى الباحث في «المجلس الأطلسي» للبحوث، والذي سبق أن اضطلع بمهام تفاوضية رفيعة المستوى مع الروس، دانيال فريد، أنّ «لدى ترامب فرصة لإصلاح خطئه الفادح، حين أشار سابقاً إلى عدم نيّته دعم أوكرانيا، على نحو شكّل فرصة لروسيا للسعي خلف نصر كامل»، معتبراً أنّ تحرّكات الرئيس الأميركي خلال الأسابيع الماضية «تشير إلى تداركه للأمر، وأنه بصدد التحرّك في اتجاه أكثر صرامة» مع الروس.
أمّا تشارلز كوبشان، وهو باحث في «مجلس العلاقات الخارجية» وأستاذ الشؤون الدولية في «جامعة جورج تاون»، فأدرج تهديدات ترامب ضد روسيا، في سياق رهانه على «الاستفادة من مخرجات دبلوماسيته القسرية» مع إيران، وتعويله على «المزيد من التعاون مع حلفائه في الناتو» للدفاع عن أوكرانيا، منبّهاً إلى أنّ الرجل «لا يريد أن يُخلّد في التاريخ بأنه الرئيس الأميركي الذي خسر أوكرانيا».
وفي حين تشير تقارير اقتصادية إلى أنّ وقع العقوبات الإضافية على موسكو، سيعود بالفائدة على ترامب، على أكثر من صعيد، بخاصة الاقتصادي؛ ذلك أنّ التزام أوروبا بالعقوبات التي لوّح بها الرئيس الأميركي، سوف يعني رفع واردات «القارة العجوز» من الطاقة الأميركية من 270 إلى 350 مليار دولار سنوياً، فإنّ الأمر يواجه باعتراض عدد من المشرّعين الأميركيين، كالسيناتور الجمهوري راند بول، الذي أعرب عن رفضه دعم ما يُعرف بـ«مشروع قانون غراهام» الذي ينصّ على فرض رسوم جمركية بنسبة 500 % على الدول التي تتعامل تجارياً مع روسيا، مندّداً بطرح ترامب فكرة فرض رسوم بنسبة 100 في المئة على البضائع الروسية، وعقوبات ثانوية على الدول التي تشتري النفط الروسي.
موسكو أمام امتحان تشديد العقوبات
يقرّ محلّلون روس بأنّ ترامب يملك بالفعل «عدّة أوراق ضغط حاسمة» لتفعيل العقوبات ضد موسكو، من أبرزها علاقته الوطيدة بالهند، التي تعدّ ثاني أكبر مشترٍ للنفط الروسي، بكل ما يعنيه ذلك من تبعات سلبية على الاقتصاد الروسي، في حال انصياع نيودلهي للمطالب الأميركية، لا سيّما وأنّ حكومة ناريندرا مودي شرعت بالفعل في الآونة الأخيرة في تنويع مصادر استيراد النفط. ومع هذا، يرى هؤلاء أنّ تلك الأوراق «لا تعدّ كافية لإحداث انهيار اقتصادي كامل في روسيا، بعدما طوّرت الأخيرة أساليبها للالتفاف على العقوبات (أساليب باتت تدرّس كتخصّص أكاديمي في حقل العلاقات الدولية في عدد من الجامعات الروسية) منذ بدء الحرب على أوكرانيا، عبر توسيع تحالفاتها السياسية والاقتصادية»؛ علماً أنّ العقوبات من شأنها أن ترفع أسعار النفط، الذي يشكّل أحد أهم الروافد المالية للكرملين، وهاجساً أساسياً لترامب لاعتبارات شتّى.
وعليه، ينبغي التوقّف عند ما قاله لافروف مطلع الأسبوع الحالي، من أنّ بلاده «تخوض حرباً لوحدها في وجه الغرب للمرة الأولى في تاريخها»، في إشارة إلى «الطابع الوجودي» الذي تسبغه بلاده على المواجهة مع كييف، ومن أنّ موسكو «تحضّر نفسها لحرب عالمية ثالثة، إذا دعت الحاجة». وبحسب محلّلين روس، فإنّ انقضاء المهلة الأميركية من دون اتفاق، ربما يحمل نذر دخول العالم مرحلة جديدة من الصراع، تتجاوز أوكرانيا، على نحو قد يفضي إلى تحوّل جذري في قواعد اللعبة الدولية، وتصعيد في الحرب التجارية العالمية المحتدمة بين واشنطن من جهة، وعدد من خصومها الإستراتيجيّين كموسكو وبكين، من جهة ثانية.
ونظراً إلى حجم مخاطر التصعيد التجاري الأميركي بوجه الكرملين، استبعد الباحث الروسي في «مركز الدراسات الأمنية» التابع لـ «الأكاديمية الروسية للعلوم»، قسطنطين بلوخين، التزام ترامب بوعوده المتعلّقة بفرض رسوم جمركية على روسيا أثناء المهلة التي حدّدها الأخير، جرياً على عادته منذ وصوله إلى السلطة، مؤكداً أنّ هذا الشكل من أشكال الضغط، حتى في حال استحالته واقعاً، «لن يؤدّي إلى أي نتيجة ضارّة لموسكو، بل قد يعود بنتائج عكسية (على واشنطن)، من منطلق ما أعقب العقوبات (الغربية) السابقة من نمو اقتصادي وزيادة في السيادة السياسية والاقتصادية لديها». وتابع بلوخين أنّه «إذا ما حدث هذا السيناريو، فإنّ إستراتيجية ترامب الرئيسة المتمثّلة في فصل روسيا عن الصين ستفشل»، شارحاً أنّ «تهديدات ترامب هي تصريحات انتهازية ومحاولة لإرضاء الساسة الأميركيين ووسائل الإعلام في آن واحد، حيث يحاول خلق صورة ريغان جديد، بالإضافة إلى توفير مساحة للمناورة في العلاقات مع روسيا».
خضر خروبي

