حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية: مطلب إسرائيلي أم حاجة لبنانية؟
في اجتماع حكومة نواف سلام الأخير يوم الثلاثاء 5 أغسطس الجاري، تمت مناقشة تكليف الجيش اللبناني بوضع خطة لحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية بحلول نهاية هذا العام، في خطوة تُعدّ تحدياً مباشراً لحزب الله، الذي يرفض الدعوات لنزع سلاحه منذ الحرب المدمّرة مع إسرائيل العام الماضي. وذكرت وكالة رويترز أن حزب الله المدعوم إيرانيا بات يواجه ضغوطاً متزايدة من خصومه في الداخل اللبناني، وكذلك من الولايات المتحدة، التي تطالب الوزراء اللبنانيين بالتزام علني بنزع سلاح الحزب، وسط مخاوف من أن تُكثّف إسرائيل ضرباتها على لبنان، في حال فشل الحكومة في اتخاذ موقف واضح.
وأشار تقرير رويترز إلى أن الجلسة، عقدت في قصر بعبدا الرئاسي، وكانت المرة الأولى التي تتناول فيها الحكومة اللبنانية رسمياً ملف سلاح حزب الله، وهو أمر كان من غير الممكن تخيّله عندما كان الحزب في أوج قوّته قبل عامين فقط. من جانبه رفض نائب الأمين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم، في كلمة متلفزة، أي دعوات لنزع سلاح الحزب، قائلاً: «آمل ألا تضيّعوا وقتكم في العواصف التي تثيرها الإملاءات الخارجية».
وفي مراجعة تاريخية يمكننا القول، إن أزمة حصر السلاح بيد الدولة كانت قد أثيرت عند انتهاء الحرب الأهلية اللبنانية، وظلّت مسألة «السلاح خارج الشرعية» حاضرة في النقاش السياسي اللبناني منذ 1990 حتى الآن، ومثلت مجموعة أزمات متكررة، سواء في إطار المصالحة الوطنية، أو تحت عنوان الردع والمقاومة. وقد تصاعد هذا الجدل بشكل حاد بعد عام 2006، حين أصبحت الدعوات إلى حصر السلاح بيد الدولة مطلباً داخلياً وخارجياً على حدّ سواء. وهنا يُطرح السؤال المشروع: هل مطلب حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية في جوهره مطلب إسرائيلي لإضعاف المقاومة؟ أم أنّه حاجة لبنانية داخلية ملحّة لقيام الدولة وضمان الأمن والسيادة والاستقرار؟
الشرعية لا تكتمل إلا بالاحتكار الكامل للقوة، لكن السيادة أيضاً لا تُبنى على نزع سلاح جهة واحدة بينما يتواصل العدوان من الجهة المقابلة
من ناحية السياق القانوني والسيادي للمطلب، يمكننا الإشارة إلى أن اتفاق الطائف نص صراحة على ضرورة حلّ جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، وتسليم أسلحتها للدولة اللبنانية، كشرط لإنهاء الحرب. وقد أُقرّ في هذا السياق أن الجيش اللبناني وحده مسؤول عن الأمن القومي. وتمّ تطبيق هذا البند على سائر الأطراف، لكن جرى استثناء حزب الله حينذاك تحت عنوان «المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي» الذي كان موجودا في جنوب لبنان، لكن هذه النقطة أثيرت مرة أخرى بعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب عام 2000. لكن هذا الواقع الاستثنائي تَحول تدريجياً إلى معضلة سيادية، حيث بات هناك قرار أمني وعسكري موازٍ لقرار الدولة، خصوصاً مع تدخل الحزب في النزاعات الإقليمية (سوريا، العراق، اليمن)، ما أضعف حجج «المقاومة الدفاعية»، وطرح تساؤلات حول شرعية السلاح المستمر خارج الدولة. لكن من جهة أخرى، لا يمكن إغفال واقع الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة، التي تُمارَس بشكل يومي تقريباً ضد السيادة اللبنانية. فإسرائيل تواصل خرق الأجواء اللبنانية باستخدام الطائرات الحربية والمسيّرة، وتنفّذ عمليات قصف متكررة على أراضٍ لبنانية، بذريعة استهداف مواقع لحزب الله، أو جماعات أخرى، من دون أي مراعاة لسيادة الدولة أو القانون الدولي. ولا تقتصر هذه الانتهاكات على الجو فحسب، بل تشمل أيضاً تسللات بحرية وبرّية، تتنوع بين اعتقال رعاة مدنيين، أو زرع أجهزة تنصت ومراقبة داخل الأراضي اللبنانية. ووفقاً لتقارير صادرة عن قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل) ووزارة الدفاع اللبنانية، فقد سجّلت إسرائيل أكثر من عشرين ألف خرق للسيادة اللبنانية بين عام 2006 وعام 2024، ما يعكس مفارقة فاضحة: إسرائيل التي تطالب بحصر السلاح بيد الدولة اللبنانية، هي ذاتها التي تنتهك سيادة الدولة اللبنانية كل يوم، وما تزال تحتل اراضي حدودية جنوب لبنان.
عانت الحكومات اللبنانية المتعاقبة من ضغط مزدوج، تمثّل أولاً في الضغوط الدولية، سواء من الدول الغربية أو بعض الدول العربية، التي ربطت بين تقديم أي دعم اقتصادي للبنان بضبط سلاح حزب الله، وفرض حصرية القرار الأمني بيد الدولة. في المقابل، واجهت هذه الحكومات تهديدات إسرائيلية مستمرة، جعلت من أي محاولة لطرح ملف نزع سلاح المقاومة، وكأنها خطوة نحو التفريط بالأمن القومي، خاصة في ظل غياب ضمانات دولية حقيقية تحمي لبنان من الاعتداءات.
وفي هذا السياق، نذكر أن الرئيس ميشال سليمان حاول عبر «إعلان بعبدا» الصادر عام 2012 أن يرسي مبدأ تحييد لبنان عن صراعات المحاور الإقليمية، مع التأكيد على ضرورة حصر السلاح بيد الدولة، غير أن الإعلان وُوجه برفض داخلي واسع، ولم يُطبّق عملياً. لاحقاً، وفي عهد الرئيس ميشال عون، عاد الخطاب السيادي إلى الواجهة، غير أن الواقع الأمني المتشابك، والضغوط الإقليمية المتزايدة، حالت دون أي تقدم فعلي في هذا الملف، بل إن تصاعد التوتر على الحدود الجنوبية، ولاسيّما بعد عدوان غزة عام 2023 والاشتباكات المتكررة مع إسرائيل، جعل من طرح مسألة نزع السلاح في هذا التوقيت بالذات أمراً يبدو خارج السياق السياسي والأمني الملائم. إن استمرار وجود سلاح خارج إطار الدولة يعني، عملياً، وجود كيانين داخل كيان واحد: من جهة، دولة المؤسسات التي تخضع للمحاسبة والمساءلة والعقاب ضمن الأطر الدستورية، ومن جهة أخرى، «دولة المقاومة» التي تحتفظ بقرار الحرب والسلم، وتمارس أدواراً إقليمية خارج نطاق الشرعية اللبنانية، من دون العودة إلى مؤسسات الدولة الرسمية. في هذا الواقع المزدوج، تفقد الدولة اللبنانية قدرتها على التفاوض الجاد في المحافل الدولية، كما تُصبح عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة على أراضيها. وبهذا، تجد نفسها محاصَرة بين خطرين متوازيين: من جهة، التهديدات الإسرائيلية الدائمة التي تتعامل مع لبنان برمّته كرهينة لسلاح حزب الله، ومن جهة ثانية، الانقسام الداخلي الذي يعمّق الشلل المؤسسي، ويُجهض أي إمكانية لإطلاق مسار إصلاحي حقيقي.
لكن ليس من الواقعية، في ظل الظروف الإقليمية والتهديدات الإسرائيلية المستمرة، أن يُطلَب من حزب الله التخلي عن سلاحه بشكل أحادي، ومن دون توفير ضمانات أمنية دولية واضحة، أو توافقات سياسية داخلية حقيقية. ومع ذلك، من غير المقبول أيضاً أن يُربط قيام الدولة واستكمال مؤسساتها بشرعية سلاح خارج عن إطارها. فالمعادلة العادلة يجب أن تقوم على مسار متوازن يجمع بين حماية لبنان من أي عدوان إسرائيلي، وضمان سيادة الدولة الكاملة على قراراتها.
ويمر هذا المسار عبر اعتماد استراتيجية دفاع وطني شاملة تُعيد دمج المقاومة ضمن إطار الدولة، وتعيد حصر القرار العسكري بالمؤسسات الرسمية وحدها، وفي مقدمتها الجيش اللبناني. كما يتطلّب الأمر تفعيل الضغط الدولي الحقيقي على إسرائيل لوقف خروقاتها المستمرة، وربط أي مسار تفاوضي معها بوقف الانتهاكات اليومية للسيادة اللبنانية. بالتوازي، يجب أن يتكرّس مبدأ تحييد لبنان عن صراعات المحاور الإقليمية، بوصفه خياراً سيادياً دائماً، وهو ما لن يتحقق دون توافق داخلي عابر للطوائف، يقوم على أولوية الدولة فوق كل الاصطفافات.
إن حصر السلاح بيد الدولة اللبنانية ليس مطلباً إسرائيلياً صرفاً، رغم استثماره الإسرائيلي سياسياً، بل هو أولاً وأخيراً مطلب لبناني سيادي، نابع من الحاجة إلى قيام دولة كاملة الأركان. وفي الوقت نفسه، فإن أي نقاش جدي في هذا الإطار يجب أن يُراعي التهديدات الفعلية من إسرائيل، ولا يسمح بتحويل السيادة إلى شعار انتقائي يُستخدم عند الحاجة فقط.
فالدولة لا يمكن أن تقوم في ظل ازدواجية القرار والسلاح، ولا يمكنها أن تحمي مواطنيها وهي تُستباح يومياً من دون ردّ. الشرعية لا تكتمل إلا بالاحتكار الكامل للقوة، لكن السيادة أيضاً لا تُبنى على نزع سلاح جهة واحدة بينما يتواصل العدوان من الجهة المقابلة.
كاتب عراقي
صادق الطائي

