Skip to content
عبد الباري عطوان
لا يمر يوم دون ان نقرأ العديد من التقارير الاخبارية التي تتحدث عن تهجير مئات الآلاف من أبناء قطاع غزة الى دول آسيوية او افريقية، من بينها دول عربية، وكان أحدثها ما بثته القناة 12 الإسرائيلية الرسمية اليوم الخميس وقالت فيه ان حكومة نتنياهو تجري اتصالات مع 5 دول هي: اندونيسيا وارض الصومال (صومال لاند)، واوغندا، وجنوب السودان، وليبيا، لم تكشف المحطة أي معلومات عن نتائج هذه الاتصالات سلبا او إيجابا.
تصاعد حدة هذه الاتصالات يتزامن مع قرب تنفيذ الخطة الإسرائيلية لاجتياح قطاع غزة، واحتلاله بالكامل التي من أبرز بنودها تهجير 800 الف من أبناء مدينة غزة على مرحلتين: الأولى الى جنوب القطاع، والثانية نقلهم بالبر او البحر او الاثنين الى وجهتهم النهائية.
بالأمس وصلت شارين هاسكل نائبة وزير الخارجية الإسرائيلي الى جوبا عاصمة دولة جنوب السودان لإجراء مباحثات مع حكومتها، مرفقة بعروض بالمساعدات المالية والاقتصادية في حال قبولها باستقبال اعداد من المهجرين من القطاع وإقامة مخيمات لإستقبالهم.
حكومة جنوب السودان التي استقبل رئيسها ووزير خارجيتها الزائرة الإسرائيلية نفت الأنباء الواسعة الإنتشار عن استعدادها لبلع الطعم الإسرائيلي، وأكدت رفضها لاستقبال أي مهجرين من القطاع، والشيء نفسه فعلته وزارة الخارجية الاندونيسية التي أصدرت بيانا شديد اللهجة اتهمت فيه دولة الاحتلال بالعنصرية وارتكاب جرائم حرب في غزة، ونفت كل التقارير التي تتحدث عن قبولها أي مهجرّين فلسطينيين على ترابها الوطني.
اختيار هذه الدول الخمس لاستقبال المهجرين الفلسطينيين يأتي انطلاقا من مخطط إسرائيلي بتهجير الفلسطينيين الى دول غير عربية وبعيدة كليا عن فلسطين التاريخية، تجنبا لتكرار “خطأ” عام 1948 بإبعادهم الى الدول العربية المجاورة مثل الأردن، وسورية ولبنان والعراق.
اللافت ان كل أحاديث عمليات التهجير هذه تتمركز حول أهالي قطاع غزة الذين يزيد تعدادهم عن 2.5 مليون نسمة، واستبعاد أكثر من 4 ملايين من أبناء الضفة الغربية في هذه المخططات، والإجابة سهلة، وهي ان جميع هؤلاء ستكون وجهة ترحيلهم الأردن، الذي يعتبر الوطن البديل الجاهز، خاصة بعد صدور قرار عن الكنيست الإسرائيلي “يُشرّع” رسميا ضم الضفة الغربية الى “دولة إسرائيل”.
القاعدة المتداولة تقول انه ليس كل شيء يتم التوصل اليه في الغرف المغلقة يعلن على الملأ، وخاصة في موضوع التهجير لحساسيته، ومن غير المستبعد ان تلعب الاغراءات المالية الامريكية والاسرائيلية دورا كبيرا في استغلال الظروف الاقتصادية السيئة لبعض هذه الدول لإقناعها بقبول المهاجرين على أرضهم مع الأخذ في الاعتبار ان تكاليف هذه الاستضافة المالية والمعيشية مغطاة بالكامل من حكومة ترامب التي تتبناها.
من المؤسف اننا لم نقرأ او نسمع عن قيام وفود عربية بزيارة هذه الدول المسماة في مخطط التهجير الإسرائيلي للتصدي لهذا المشروع المخالف لكل القوانين الدولية، واذا أخذنا دولة جنوب السودان على وجه الخصوص فإنها تواجه إهمالا كاملا من معظم الحكومات العربية، ولم نسمع عن قيام أي ملك او رئيس عربي بزيارة لها، ورغم ذلك أكد هذا البلد وفي بيان رسمي، واثناء زيارة المبعوثة الإسرائيلية رفضها لاستقبال أي مُهجّر فلسطيني من القطاع، وهذا امر يُشكر لها ولقيادتها.
مرة أخرى نذكر بأن الهدف الإسرائيلي للغزو الإسرائيلي الموسع لقطاع غزة المتوقع خلال أيام، هو محاولة القضاء الكامل على حركة “حماس” ونزع سلاحها، وتفريغ القطاع كليا من أبنائه عبر التهجير القصري، وآخر تصريحات لنتنياهو اكدت هذه الحقيقة عندما صّور نفسه بالشخص الإنساني لانه لم يلجأ الى تدمير غزة بالكامل على غرار ما فعل التحالف الغربي في مدينة دريسدن الألمانية في نهاية الحرب العالمية الثانية، وانه في جميع الحروب تحدث عمليات هجرة للمواطنين، ولهذا لماذا تكون غزة استثناء؟
22 شهرا في الصمود من قبل المقاومة وحاضنتها الشعبية في قطاع غزة، أفشلت كل الخطط الإسرائيلية وأبرزها القضاء على المقاومة، او تهجير أبناء القطاع، سواء عبر اختراق الحدود الى مصر، او عبر الرصيف المائي الأمريكي الى قبرص وبالتالي أوروبا.
أبناء القطاع، ومثلما قالت الصغيرة شام ابنة الأعوام الثلاثة للصحافي الشهيد أنس الشريف: “نحن باقون هنا ولن نذهب الى أي مكان آخر”، قاوموا الاحتلال وهزموه بطرده عام 2005 وتكبيده خسائر كبيرة جدا، وسيقاومونه وسيهزمونه في المرة الثانية، ولن يغادروا قطاعهم.. والأيام بيننا.