العراق: الحشد الشعبي في مرمى ترامب
منذ تأسيسه عام 2014، ظل الحشد الشعبي في العراق مثار جدل داخلي وإقليمي. فقد وُلد من رحم فتوى دينية لمواجهة تنظيم الدولة (داعش)، لكنه سرعان ما تحوّل إلى قوة عسكرية وسياسية موازية للدولة، تتداخل في بنيته اعتبارات وطنية وأخرى مرتبطة بالمشروع الإيراني في المنطقة. ومع طرح البرلمان العراقي مؤخرا لمشروع «قانون خدمة وتقاعد الحشد»، تفجرت أزمة سياسية جديدة اتخذت أبعادا إقليمية ودولية. بالنسبة لإدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لم يكن هذا القانون تفصيلا عراقيا، بل محاولة لإعادة إنتاج نمط من الحرس الثوري الإيراني داخل العراق، ما دفع واشنطن إلى التحرك لمنع تمريره بكل الوسائل الممكنة.
بات معروفا أن الحشد الشعبي في العراق جاء استجابة لفتوى المرجع الأعلى السيد علي السيستاني بعد انهيار الجيش العراقي أمام هجوم تنظيم الدولة (داعش). وبدافع الضرورة الوطنية، انخرط عشرات الآلاف من المتطوعين في القتال، غير أن هذا التشكيل الطارئ سرعان ما أصبح ساحة صراع بين تيارات شيعية متباينة، بعضها مرتبط عضويا بالحرس الثوري الإيراني.
النتيجة كانت خضوع الميليشيات الشيعية لقانون هيئة الحشد رقم 40 لسنة 2016، وهو نص قصير يتألف من ثلاث مواد فقط، مع تفاصيل محدودة للغاية حول شروط الخدمة والبنية الإدارية. لسد هذا الفراغ، بدأت الهيئة التي يرأسها فالح الفياض منذ 2019 بمحاولة صياغة قانون خدمة وتقاعد جديد. لكن تمريره أثبت صعوبة، إذ تحاول جماعات سياسية وميليشياوية شيعية مختلفة تشكيله، بما يخدم نفوذها. فالمسودة الأولى المؤلفة من 39 مادة أُعلنت عام 2020، ثم تضخمت إلى 113 مادة عام 2023 قبل عرضها في البرلمان العام الماضي.
في العودة إلى جذور الأزمة يمكننا الإشارة إلى مرحلة ما بعد هزيمة داعش، إذ برزت إشكالية جديدة مفادها: ما هو مستقبل هذه القوة العسكرية؟ بدلا من دمجها تدريجيا في الجيش أو تفكيكها، اتجهت فصائلها نحو تعزيز نفوذها السياسي والاقتصادي، خصوصا تلك الموالية لإيران، مثل كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق ومنظمة بدر. ومع كل توسع للحشد، ازدادت المخاوف الأمريكية من تحوله إلى أداة لتعميق النفوذ الإيراني، لتصبح الأزمة أكثر من مجرد خلاف داخلي، بل جزءا من معادلة الصراع الأمريكي ـ الإيراني. منذ بداية ولايته، جعل ترامب من مواجهة النفوذ الإيراني أولويةن وبالنسبة لإدارته، فإن مشروع قانون الحشد لم يكن شأنا إداريا داخليا، بل خطوة استراتيجية تهدد بتقنين وجود جماعات مصنفة أمريكيا بأنها إرهابية. الرسائل الأمريكية لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني كانت واضحة: تمرير القانون سيؤدي إلى إضفاء الطابع المؤسسي على نفوذ إيران داخل العراق، ويقوّض سيادة الدولة، ويغيّر مسار العلاقة مع واشنطن. في نظر ترامب وفريقه، كان القانون محاولة لبناء «حرس ثوري عراقي»، يكرّس ازدواجية الولاء، ويمنح غطاء شرعيا للفصائل الموالية لطهران، ولذلك، اعتُبرت الأزمة اختبارا مباشرا لاستراتيجية «الضغط الأقصى»، وواحدة من الساحات الأساسية التي ستحدد شكل النفوذ الأمريكي في العراق بعد (داعش).
أزمة قانون الحشد الشعبي اختبار حقيقي لمستقبل الدولة العراقية. فإما أن تكون منطلقا لبناء عقد سياسي جديد يعيد الاعتبار لمفهوم السيادة أو تبقى عنوانا لتكرار الأزمات وتكريس التبعية
لم تكتف إدارة ترامب بالتحذير، بل استخدمت أدوات ضغط متعددة، التلويح بالعقوبات الاقتصادية كان الورقة الأبرز، خصوصا في ملف الطاقة، حيث يعتمد العراق على الاستثناءات الأمريكية لاستيراد الغاز والكهرباء من إيران. كما وجهت واشنطن رسائل رسمية، تؤكد أن تمرير القانون سيعني إعادة النظر في الوجود العسكري والتعاون الأمني، مع تهديد صريح بفرض عقوبات على شخصيات سياسية وميليشياوية. الدبلوماسية لعبت دورا محوريا أيضا، إذ تحركت واشنطن عبر اتصالات مباشرة وضغوط أوروبية، خصوصا من بريطانيا، لإقناع بغداد بخطورة القانون. وبالتوازي، أبقت الولايات المتحدة خيار الردع العسكري قائما، عبر منح قواتها مرونة أكبر في التعامل مع هجمات الميليشيات، في إشارة إلى أن التصعيد ممكن إذا اقتضت الحاجة. كما حاولت الإدارة الأمريكية كسب معركة الخطاب العام، من خلال تصوير القانون كأداة لإضفاء الشرعية على جماعات متهمة بانتهاكات ضد العراقيين، مستهدفة بالدرجة الأولى الكتل السنية والكردية في البرلمان. في الداخل، انقسم المشهد بشكل حاد. فالقوى الشيعية المرتبطة بإيران رأت في القانون فرصة لتثبيت نفوذها وضمان تمويل دائم للحشد. في المقابل، رفضت القوى السنية والكردية التشريع، معتبرة إياه تهديدا للتوازن الوطني وتكريسا لسطوة الفصائل على الدولة. أما بعض القوى الوسطية، فقد حاولت إدخال تعديلات تخفف من حدّة القانون، لكنها لم تنجح في تغيير جوهره. هذا الانقسام كشف أن البرلمان أصبح ساحة صراع بالوكالة: إيران تضغط بقوة لتمرير القانون، بينما واشنطن تمارس ضغوطا معاكسة لمنعه. وبين هذين الطرفين وجد رئيس الوزراء نفسه أمام خيارات ضيقة، فهو يحتاج دعم الفصائل الشيعية للبقاء في السلطة، لكنه لا يستطيع المجازفة بخسارة الدعم الأمريكي الاقتصادي والأمني.
أظهرت الأزمة أن السيادة العراقية ما زالت مرتهنة لصراع النفوذ الخارجي. فالقانون منح الفصائل الموالية لإيران فرصة لتقنين وجودها، لكنه في الوقت نفسه وضع العراق في مواجهة مباشرة مع واشنطن. الحكومة العراقية بدت عاجزة عن اتخاذ قرار وطني مستقل: التراجع عن القانون يعني تحدي القوى الشيعية النافذة، والمضي فيه يعني مواجهة غضب واشنطن. على صعيد العلاقات الثنائية، كشفت الأزمة هشاشة الشراكة الأمريكية ـ العراقية. فقد اعتبرت إدارة ترامب أن أي تقنين للحشد هو تقويض لمشروع بناء دولة مهنية، وأنه سيؤدي إلى إعادة تقييم كامل لطبيعة التعاون. وفي المقابل، استخدم بعض الساسة العراقيين الموقف الأمريكي كغطاء سياسي لرفض القانون، لكن ذلك لم يغيّر من حقيقة أن العراق وجد نفسه محاصرا بين عقوبات محتملة من جهة، وضغوط الفصائل من جهة أخرى. أما إقليميا، فقد مثّل القانون بالنسبة لإيران خطوة لتعويض خسائرها في ساحات أخرى مثل سوريا ولبنان، فيما أعطى للأطراف الدولية انطباعا بأن العراق لا يزال ساحة مفتوحة للصراع أكثر من كونه دولة ذات قرار سيادي. تبيّن أزمة قانون الحشد الشعبي أن العراق يعيش في قلب معضلة مزدوجة: فهو من جهة بحاجة إلى قوة أمنية قادرة على مواجهة التحديات، لكنه من جهة أخرى يواجه خطرا وجوديا، إذا تحولت هذه القوة إلى مؤسسة موازية للدولة، تخضع لإرادة إقليمية خارجية. وبالنسبة لإدارة ترامب، كان الملف جزءا من صراع أوسع مع إيران، لذلك مارست كل أشكال الضغط لتعطيله. أما بالنسبة للعراق، فقد كشف القانون هشاشة نظامه السياسي وعجزه عن إنتاج قرار سيادي جامع. المخرج من هذه الأزمة يتطلب إعادة تعريف موقع الحشد ضمن الدولة، وإخضاعه لقواعد الخدمة العسكرية الوطنية بما يضمن إنهاء ازدواجية الولاء، إلى جانب صياغة علاقة أمريكية ـ عراقية مستقرة، تستند إلى دعم بناء مؤسسات مهنية بعيدا عن الضغوط الآنية. كما أن المرجعية والقوى الوطنية قادرة على لعب دور حاسم في إعادة التوازن، شرط توافر الإرادة السياسية.
بالمحصلة، فإن أزمة قانون الحشد لم تكن مجرد معركة برلمانية، بل تعتبر انعكاسا لمعضلة السيادة في العراقن ولتوازن القوى المختل بين الدولة من جهة والفصائل المسلّحة المدعومة من الخارج من جهة أخرى. كما أنها تركت بصمة سلبية على العلاقة مع واشنطن، حيث باتت هذه الأخيرة تنظر بعين الشك لأي محاولة لإعادة صياغة موقع الحشد، ضمن مؤسسات الدولة، خشية أن يتحول الأمر إلى إعادة إنتاج لتجربة الحرس الثوري الإيراني. هكذا يمكن القول، إن أزمة قانون الحشد الشعبي ليست مجرد محطة عابرة، بل هي اختبار حقيقي لمستقبل الدولة العراقية. فإما أن تكون منطلقا لبناء عقد سياسي جديد يعيد الاعتبار لمفهوم السيادة، ويحصر السلاح بيد الدولة، أو أن تبقى عنوانا دائما لتكرار الأزمات وتكريس التبعية.
كاتب عراقي
صادق الطائي

