مقالات

إقامة دولة فلسطين بين التمنّع الدولي والتردّد العربي

ثمة حقيقة ثابتة لا يمكن للوقائع السياسية والسياسات الإعلامية إخفاءها بشكل كامل، مفادها أن صمود الشعب الفلسطيني أكثر من ثلاثة أرباع القرن أصبح ضمانا لهزيمة الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية.
فبرغم محاولات «إسرائيل» ودول الغرب التي تدعمها، ما تزال القضية غضّة ليس في نفوس أهلها فحسب، بل على الصعيد العالمي. فما من فعالية تقام باسم فلسطين خصوصا التظاهرات والاحتجاجات إلا وتحظى بمشاركة واسعة. ولا يُذكر اسم «إسرائيل» إلا ويرتبط في الأذهان بالاحتلال والظلم والمشروع الإمبريالي واللاإنسانية. وبرغم الجهود الإسرائيلية والغربية لطمس اسم «فلسطين» فقد أصبح الحديث عن إقامة دولتها ليس مقبولا فحسب، بل مطلوبا ومدعوما حتى من قبل الدول غير المعروفة بعدائها لكيان الاحتلال. وفي الأسبوع الماضي أعلنت الحكومة الأسترالية أنها سوف تعترف بدولة فلسطين إذا أعلن قيامها. وهناك الآن 147 دولة تعترف بها. هذا الدعم الدولي لمشروع الدولة الفلسطينية يقضّ مضاجع المحتلين ويضغط على أعصابهم، كما يكشف عبثية السياسة الأمريكية وعجزها عن تحقيق سيطرة مطلقة على حلفائها وسواهم.
من المؤكد أن تراجع الدبلوماسية العربية والإسلامية في الفضاء الفلسطيني ساهم في إطالة أمد الصراع وتصاعد التضحيات الفلسطينية وتغوّل الدبلوماسية الإسرائيلية التي كسرت الحصار الذي فرض على الاحتلال أكثر من نصف قرن بعد تأسيس الكيان. ولكن هناك عناصر أخرى ساهمت في تغيير اتجاه الدبلوماسية الدولية وإعادتها لما يمكن اعتباره مواقف إنسانية مهمة، منها: أولا تشبث الشعب الفلسطيني بأرضه ورفضه التنازل عنها برغم تعرّضه لسبع حروب مدمّرة بعد احتلال أرضه. وما يزال هناك من أهل فلسطين الذين عاشوا فيها قبل الاحتلال من يرفع راية التحرير ويلتزم بثوابت القضية ويرفض الاستسلام للواقع الذي فرضته «إسرائيل» وداعموها. ثانيا: النضال الوطني الفلسطيني الذي لم يتوقف منذ أن بدأ بما سمي «حرب الاستنزاف» بعد حرب 1967. وكان لنضال الأجيال الأولى بعد الاحتلال وبروز الكوفية الفلسطينية شارة ثابتة للحق الشرعي والنضال، دور في تثبيت القضية في أذهان أجيال ثورية متعاقبة ليس في فلسطين فحسب بل في العالم الباحث عن الحرّيّة. ثالثها: تحوّل القضية الفلسطينية إلى أيقونة للنضال التحرّري الذي تبلور في بلدان شتى من العالم خصوصا خلال الحرب الباردة التي حدث فيها استقطاب سياسي وأيديولوجي غير مسبوق. رابعها: تغوّل الاحتلال وتصاعد سياساته القمعية وبروز أمريكا كداعم أساسي للفظاعات التي ترتكب يوميا بحق أبناء فلسطين، كل ذلك ساهم في بلورة الدعم الدولي لقضية فلسطين وإفشال محاولات طمسها تماما. خامسا: تنامي وعي الشعوب وكسر الاحتكار الغربي لوسائل الإعلام وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، كل ذلك ساهم في إظهار حقيقة الاحتلال من جهة ومعاناة الشعب الفلسطيني من جهة أخرى. فهل يمكن أن يمر إنسان على صورة الأجساد التي حوّلتها المجاعة الحالية في غزة إلى أشباح وهياكل عظمية، بدون أن تغلي نفسه بالغضب تجاه الاحتلال وداعميه؟

الأمر الذي يتحدّى نتنياهو وزملاءه في الحكومة يتجلّى من خلال الدعوة المستمرّة لإقامة الدولة الفلسطينية التي يسعى لمنع قيامها بالاستخدام المفرط للقوّة

ماذا يعني ذلك؟ لقد شهدت العقود الأربعة الأخيرة توسع دائرة الاهتمام بقضية فلسطين وهيمنتها أحيانا على الأجواء السياسية والدبلوماسية خصوصا في الأمم المتحدة. وبرغم أن الحلّ الأمثل للقضية كما يراه الكثيرون، يتمثل بإقامة دولة واحدة على أرض فلسطين تمارس الحرّيّة والديمقراطية بمشاركة الشعب الفلسطيني كاملا، إلا أن ما سمّي «حل الدولتين» طرح بقوّة وأصبح شعارا للعمل الدبلوماسي الدولي، وما يزال يحظى بقبول دولي واسع. ولذلك ازداد التوتر بشكل غير مسبوق بعد أن تبلورت فكرة إقامة ذلك المشروع على الأراضي الواقعة خارج الاحتلال الإسرائيلي، أي في الضفة الغربية وقطاع غزة. ويلاحظ هنا عمق التوتر الإسرائيلي إزاء مشروع الدولة الفلسطينية وسعيها المتواصل، بدعم أمريكي، لإزالة ظروف إقامتها. ولوحظ في الفترة الأخيرة إصرار حكومة نتنياهو التي يدعمها دونالد ترامب بشكل واضح، على توسيع دائرة الاحتلال الإسرائيلي ليضم الضفة والقطاع. وحتى الآن هناك رفض دولي عام لذلك، ولكن الرفض وحده لا يكفي، بل المطلوب عمل على كافة الصعدان لوقف العدوان الإسرائيلي الذي يخطط له نتنياهو والذي أعدّ له أكثر من ستين ألفا من القوات. يهدف ذلك العدوان لضم كل من الضفة الغربية وقطاع غزة لكيان الاحتلال. فإذا تم ذلك أصبح الحديث عن إقامة دولة فلسطينية لاغيا من الناحية العملية. ولا يكفي القول إن الاحتلال المزمع «غير شرعي» أي أنه لا يحظى بموافقة دولية من خلال الأمم المتحدة أو مجلس الأمن الدولي.
فالتحالف الغربي الذي تمثل أمريكا و«إسرائيل» زعامته المتصدّية مستعد لتجاوز ذلك الرفض، كما فعلت مع القرارات الدولية السابقة التي تعتبر احتلال الضفة والقطاع بعد حرب 1967 غير شرعي، ولكنه استمر حتى الآن قرابة العقود الستّة بدون أن يكون لهذا العالم دور حقيقي في التصدّي له وإلغائه.
ثمة مشكلة عميقة في هذا العالم. فبرغم ما يسمى العمل الدولي المشترك، إلا أن افتقاره للآليات العملية لتنفيذ القرارات والسياسات التي تتوافق عليها دول العالم، جعل هذا العمل محصورا بالقرارات والتصريحات التي لا تجد طريقها للتطبيق أو التنفيذ. فما تزال «إسرائيل» تمثل لأغلب شعوب العالم نقطة سوداء في التاريخ البشري، وتعتبرها الشعوب المناضلة رأس حرب في المشروع الإمبريالي الذي تتزعمه أمريكا. ولكن تنتهي المعارضة هنا، بدون أن يكون هناك مشروع لتفعيلها حتى عندما ترتكب أبشع الجرائم والانتهاكات بحق الشعب الفلسطيني. وهكذا يبدو المشهد مرشحا للاستمرار بخطى بطيئة، وقد يحدث أحيانا شعور بالإحباط في نفوس المتحمّسين سواء لتحرير فلسطين كلها (من النهر إلى البحر) أم إقامة دولة فلسطينية إلى جانب كيان الاحتلال. أما الفلسطيني فقد وصل إلى استنتاج مهم دفعه لانتهاج استراتيجية ثابتة للتحرير. هذا الفلسطيني تعلّم السياسة ومارسها وولجها من أوسع أبوابها، فأصبح يتعاطى مع قضيته باستراتيجية ذات شقّين: مسايرة العالم في طرحه السياسي ودفعه للعمل وفقها، وهو يعلم أنها لن تكسر الجدار الذي شيّده المحتلون حول القضية، والعمل الذاتي المنفصل الذي يمارس المقاومة على كافة الصعدان: الحياتية اليومية التي تتميز بالعصيان المدني، والبعيدة المدى الهادفة لجعل تكلفة الاحتلال باهظة فوق ما يتصور الإسرائيليون، ويأمل أن يؤدّي ذلك لهجرة معاكسة، فيهرب المحتلّون والمستوطنون وبذلك يتم تمهيد الطريق لعودة فلسطينية حتمية وفق المسارات السياسية القائمة وانسجاما مع الوعود القرآنية بحتمية تبلور «وعد الآخرة» الذي ذكره القرآن الكريم بظهور مجموعات بشرية شجاعة تنطلق لتحرير فلسطين كاملة: «فإذا جاء وعد الآخرة، ليسوؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرّة وليتبّروا ما علوا تتبيرا».
بعيدا عن الطرح العقيدي والديني، يكشف المسار السياسي نمطا منطقيا تتضافر مقاطعه لتصل في النهاية إلى نتيجة مأمولة. وقد كشفت تفصيلات العامين الماضيين مسارا متميزا لم يكن معتادا للمستوطنين الذين جيء بهم من أصقاع الأرض، فاكتشفوا حقيقة الواقع وأن الوصول إلى «أرض الميعاد» والبقاء فيها ليس أمرا متيسّرا أو سهلا، بل ينطوي على أخطار كبيرة تجعل معادلة الموت والحياة فيه غير متكافئة، وقد ترجح فيه كفّة الهلاك نتيجة التوتر المستمر منذ العام 1948. ومع توسع دائرة المهاجرين اليهود إلى «أرض الميعاد» تضاعفت مهمّات مستقبليهم الذين سبقوهم في الاستيطان، ولم يعودوا قادرين على إظهار الابتسامة دائما، خصوصا في ظل التراجع الأمني الذي يشهده كيان الاحتلال منذ قرابة العامين. وهناك من يوجّه الاتهام لرئيس الحكومة الإسرائيلية الحالي الذي ما فتئ يستفز الآخرين ويتشبث بسياسة «العصى الغليظة» بدون ان يلجأ لأساليب أخرى للتعاطي مع الأزمة التي تقترب من الأزلية. فما أكثر التظاهرات التي تخرج في تل أبيب مطالبة بتنحّي نتنياهو عن رئاسة الوزراء. بينما يخشى الخروج من الحكومة بالسرعة التي يريدها المحتجون، لأنه سوف يجد نفسه أمام القضاء المحلّي بتهم مرتبطة بالفساد، والدولي أمام محكمة الجنايات الدولية بتهم ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
الأمر الذي يتحدّى نتنياهو وزملاءه في الحكومة يتجلّى من خلال الدعوة المستمرّة لإقامة الدولة الفلسطينية التي يسعى لمنع قيامها بالاستخدام المفرط للقوّة من جهة وطرد الفلسطينيين من غزّة والضفة الغربية من جهة ثانية والتوسع في بناء المستوطنات ثالثا.

كاتب بحريني

د.سعيد الشهابي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *