قطاف الضفّة الغربية: موسم الزيتون يقطر دماً
رام الله | ما إنْ يقترب موسم قطاف الزيتون في الضفة الغربية، حتى يُجنَّ جنون عصابات المستوطنين، الذين يشرعون في تكثيف هجماتهم على الأراضي الزراعية والمزارعين، سرقةً وحرقاً وتقطيعاً، ومنعاً للفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم. وخلال الأيام القليلة الماضية، سُجِّلت العشرات من هذه الاعتداءات، التي كان آخرها اقتلاع قوات الاحتلال والمستوطنين، أمس، 150 شجرة زيتون في قرية أمّ الخير في مسافر يطا جنوب الخليل، جنوب الضفة الغربية.
وسبقت تلك المجزرة بساعات، مجزرة قطع مشابهة على أيدي المستوطنين، طاولت 120 شجرة زيتون في سهل مرج سيع الواقع بين قريتَي المغير وأبو فلاح شمال شرقي رام الله، علماً أن هؤلاء كانوا اقتلعوا قبلها بقليل عشرات الأشجار المعمّرة في أراضي قرية كفر قدوم شرق قلقيلية.
ومنذ السابع من أكتوبر 2023، تسبّبت اعتداءات الاحتلال ومستوطنيه، في اقتلاع وتحطيم وتضرُّر ما مجموعه 48728 شجرة، منها 37237 من أشجار الزيتون، وفقاً لـ»هيئة مقاومة الجدار والاستيطان». وهكذا، أضحى موسم قطاف الزيتون في الضفة، يزداد دموية عاماً بعد عام، نظراً إلى وحشية المستوطنين الذين يحرمون مئات المزارعين من الوصول إلى أراضيهم، لقربها من المستوطنات أو من جدار الفصل العنصري، أو بسبب منظومة الحواجز والبوابات العسكرية (قاربت الألف).
مع هذا، ينتظر الفلسطينيون موسم الزيتون طيلة العام، كونه يُعدّ مصدراً رئيسياً للرزق بالنسبة إلى آلاف العائلات، فيما ازدادت الحاجة إلى عائداته في ظلّ الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي يعانيها هؤلاء، جنباً إلى جنب ارتفاع مستويات البطالة. على أن هجمات المستوطنين لم تبدّد ذلك المصدر فحسب، بل حوّلته إلى خطر يتهدّد حياة المزارعين.
وبالأرقام، ثمّة أكثر من 550 ألف دونم زراعي في الضفة الغربية وقطاع غزة، مزروعة بالزيتون، غير أن أصحاب الأرض من الفلسطينيين حُرموا من جزء كبير منها، بعدما دمّرت قوات الاحتلال، في عدوانها المتواصل على القطاع، 10% من تلك المساحة، علماً أنها كانت تنتج ما بين 10% و15% من إجمالي الإنتاج الفلسطيني.
وقبل عامين، وبينما كان المزارعون يستعدّون لموسم الزيتون، استغلّت قوات الاحتلال عملية «طوفان الأقصى» لتفرض طوقاً شاملاً حول الضفة، حيث نصبت مئات الحواجز والبوابات العسكرية، وحرمت الفلسطينيين من الوصول إلى 110 آلاف دونم من الزيتون، تُركت من دون قطاف، بينما انخفض هذا الرقم في عام 2024، إلى 35 ألفاً.
يُعدّ موسم الزيتون لهذا العام من أضعف المواسم منذ 15 عاماً
وفي ظلّ هذه الظروف القاسية، ابتكر الفلسطينيون أدوات وطرقاً جديدة تمكّنهم من قطاف الزيتون، الذي يعدّونه مكوّناً رئيسياً من مكوّنات هويتهم وتاريخهم وثقافتهم. ومن بين تلك الطرق، الاستعانة بالأدوات الكهربائية في العمل (مثل الخراطات الكهربائية) لتقليل أيام الموسم، وإنجازه في أقصر وقت ممكن، إضافة إلى إطلاق حملات للمساعدة وإسناد المزارعين في القطاف. وفي هذا الإطار، أطلقت وزارة الزراعة «حملة زيتون 2025» مع كلّ المؤسسات ذات الصلة في كل المحافظات، وذلك من أجل وضع خطّة عمل لإسناد المزارعين، وقطاف ما أمكن من الزيتون وفق مبدأ «العونة»، وهو ما تفعله العديد من الهيئات المحلية والتجمعات السكانية والمؤسسات، ولا سيما في المناطق القريبة من المستوطنات والتي تتعرّض لهجمات المستوطنين.
على أن موسم الزيتون لهذا العام يُعدّ من أضعف المواسم منذ 15 عاماً، إذ تشير تقديرات وزارة الزراعة إلى أن الإنتاجية من زيت الزيتون قد تُراوِح ما بين 7 و9 آلاف طن فقط. ولهذا التراجع أسبابه، وعلى رأسها اعتداءات الاحتلال، التي وإنْ كانت ظاهرة خلال موسم القطاف، إلّا أنها تحدث خلال بقية العام، حيث من المُفترض أن يجري الاهتمام بالأشجار وريّها وتسميدها وحراثة الأرض وتقليمها. لكن ذلك لا يحدث في غالبية الأحيان، ما يؤثّر سلباً على إنتاجية الشجر.
ويبرز في هذا الجانب، ما فعله المستوطنون، في أيلول الماضي، حين نفّذوا 490 اعتداءً، تركّزت في مجملها في محافظات: الخليل (463 اعتداء)، ورام الله (417)، ونابلس (309)، وأسفرت عن استشهاد فلسطينيَّيْن اثنين من محافظة رام الله، ليصل عدد الذين استشهدوا برصاص المستوطنين، منذ مطلع العام الجاري، إلى 12. وتركّزت الهجمات على القرى والتجمّعات البدوية، وشملت 329 عملية تخريب وسرقة ممتلكات، طاولت مساحات شاسعة من الأراضي، وكذلك اقتلاع وتخريب وتسميم 431 شجرة، من بينها 261 زيتونة.
وبحسب «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان»، شنّ المستوطنون 7154 اعتداء منذ السابع من أكتوبر، تسبّبت في استشهاد 33 مواطناً، كما أقاموا، في الفترة نفسها، 114 بؤرة استيطانية جديدة، تسبّبت في تهجير 33 تجمّعاً بدوياً فلسطينياً، تتكوّن من 455 عائلة وتشمل 2853 شخصاً. أيضاً، استولى الاحتلال على 55 ألف دونم من أراضي المواطنين، منها 20 ألف دونم تحت مسمّى «تعديل حدود محميات طبيعية»، و26 ألفاً أُعلنت «أراضي دولة»، فيما صادر ما مجموعه 1756 دونماً من خلال 108 أوامر لوضع اليد، وذلك بهدف إقامة أبراج عسكرية وطرق أمنية ومناطق عازلة حول المستعمرات.
وتضاف إلى ذلك، حملة لتفتيت الأرض الفلسطينية بتوسعة الشوارع الالتفافية وإقامة شوارع للمستوطنين حصراً. كما شرع الاحتلال في إنشاء مناطق عازلة حول المستوطنات – من خلال جملة من الأوامر العسكرية -، بلغ عددها 25 منطقة حول المستعمرات، وتركّز معظمها في شمال الضفة الغربية، وتحديداً في محافظات نابلس بـ5 مناطق عازلة، وسلفيت بـ4، وقلقيلية بمنطقتين وطولكرم وطوباس بمنطقة لكل منهما، في حين فرضت 5 مناطق عازلة في محافظة رام الله، و5 أخرى في بيت لحم، وواحدة في الخليل.
ومنذ السابع من أكتوبر، أقدم جيش الاحتلال والمستوطنون على إشعال 767 حريقاً في ممتلكات وحقول، منها 546 حريقاً في الحقول والأراضي الزراعية، تسبّبت باقتلاع وتحطيم وتضرّر ما مجموعه 48728 شجرة، منها 37237 من أشجار الزيتون، وكان لمحافظات نابلس وبيت لحم والخليل ورام الله النصيب الأكبر منها.
احمد العبد

