الإبادة لا تأخذ استراحة: عودة تكتيكات التجويع
غزة | خلف ستار المفاوضات التي يبدو أنها لن تلتزم بالجداول الزمنية «المتفائلة»، يواصل جيش الاحتلال عمليات التدمير الممنهج للمربّعات والأحياء السكنية في مدينة غزة. كما يواصل حصاره لنحو 500 ألف من الأهالي الصامدين في جيب ضيّق في المدينة، مانعاً للأسبوع الثالث على التوالي دخول شاحنات المساعدات إليها.
ووفقاً لشهادات ميدانية، أقدم العدو، صباح أمس، على تفجير عربات مفخّخة في أحياء الشيخ رضوان والنصر شمال غربي غزة، فيما تتواصل عمليات النسف وتسوية مناطق واسعة من حي الكرامة بالأرض، بعدما استُقدمت العشرات من الجرّافات وآليات الهدم الثقيلة. وفي جنوب المدينة أيضاً، يمارس جيش الاحتلال الجهد العسكري نفسه خصوصاً في حي تل الهوى، بالتوازي مع حصار بالنار تفرضه طائرات «الكواد كابتر» على مناطق واسعة من الأحياء التي لا توجد فيها دبابات العدو بشكل فعلي، وتمنع الأهالي من العودة إلى منازلهم فيها.
أمّا الأخطر من الضغط الميداني، فهو المسعى الإسرائيلي لاستغلال استحواذ المفاوضات على الفضاء الإعلامي، لإعادة إنتاج المجاعة في المناطق المحاصرة. فمنذ بدء العملية العسكرية في مدينة غزّة، أغلق جيش الاحتلال منفذ «زيكيم» ومنع إدخال أي نوع من المساعدات إلى المدينة، في حين نُقلت البضائع التجارية من جنوب القطاع ووسطه عبر شارع الرشيد إلى غزة وشمالها. ورغم ارتفاع الأسعار مقارنة بوسط القطاع، فإنّ الوفرة النسبية في السلع كانت تبعد خطر المجاعة. غير أنّ إغلاق شارع الرشيد، وما سبقه من نزوح التجّار ونقل عدد كبير من المخازن التجارية إلى الجنوب، أسهما في إفراغ مدينة غزة من مخزونها الغذائي المحدود أصلاً.
الاحتلال يستخدم كل الأساليب لإجبار الأهالي على النزوح جنوباً
ووفقاً للمواطن محمد حجازي، فقد اختفت من الأسواق خلال أيام قليلة السلع الأساسية مثل الطحين والبقوليات؛ إذ يُباع شوال الطحين الواحد في وسط القطاع وجنوبه بـ25 دولاراً، فيما تجاوز سعره في مدينة غزّة 150 دولاراً. ويقول حجازي: «منذ أن أغلق جيش الاحتلال شارع الرشيد، أصيب الناس بموجة من الهلع»، مشيراً إلى أنّ «كميات البضائع المتوفّرة في غزة محدودة جدّاً قياساً بعدد السكان، بينما أسهم استمرار إغلاق المعابر وفرض الحصار والاستهلاك اليومي في شحّ الطحين والسلع الأساسية، ما رفع بالضرورة أسعار البضائع النادرة».
ويضيف أنّ «ما يحدث هو إعادة إنتاج المجاعة، لكن هذه المرة من دون أن يهتمّ أحد؛ فالعالم مشغول بالمفاوضات، فيما يمارس جيش الاحتلال جريمة التجويع والإبادة».
كذلك، يعاني الصامدون في المدينة من نقص حادّ في مياه الشرب ومياه الغسيل، بعدما استهدف جيش الاحتلال بشكل متعمّد عشرات الآبار الرئيسة، ويمنع أيضاً إدخال الوقود اللازم لتشغيل ما تبقّى منها. وبحسب محمد أبو سيدو، وهو أحد الثابتين في حيّ الدرج في مدينة غزّة، فإنّ «عشرات آلاف النازحين يضطرّون إلى حمل المياه من مسافات بعيدة إلى خيامهم ومنازلهم بعد توقّف عمل بلدية غزة بسبب نقص الوقود».
ويشير أبو سيدو، في الوقت نفسه، إلى أنّ «معظم محطات تحلية المياه في المدينة توقّفت أيضاً عن العمل، ما اضطرّ الأهالي إلى شرب مياه غير نقية»، مستدركاً بأنّ «الاحتلال يستخدم كل الأساليب لإجبارنا على النزوح جنوباً، لكن مَن يصبر على القصف والمجازر سيبقى ثابتاً مهما كانت التحدّيات. المطلوب ألّا يُسمح بتجويعنا بصمت ومن دون اهتمام».
يوسف فارس

