مقالات

حين حمل «الإيغوز» جرحاهم على ظهورهم


حوراء قبيسي


أن يدخل قائد وحدة «إيغوز» معركته الأولى في لبنان بهدف «كتابة التاريخ» – وهو أمر يمكن فهمه في سياقه التحفيزي – شيء، وأن يدخلها بيقين يرفض احتمال وقوع جرحى بين قواته، شيء آخر تماماً. إذ لا يمكن مع هذا التقدير إلا أن تخرج القوات مصابة بما يُسمّى متلازمة فجوة التوقعات، أي الفارق الكبير بين الواقع والنتائج الفعلية.

وقد كشف تحقيق لموقع «همكوم هخي حام بغهينوم» العبري، استنادًا إلى شهادات الجنود الذين نجوا في كمين العديسة (2 تشرين الأول 2024)، ما خفي من إخفاقات تتناقض بشكل صارخ مع سردية «المقاتلين الذين قُتلوا في معركة بطولية».

لم يكن «التقدير المفرط» للقوة في معركة العديسة خطأ القائد الأول. في اليوم الذي سبق المعركة، عندما خطب المقدم «ع»، قائد وحدة «إيغوز»، لتحفيز جنوده، عن «التاريخ الذي سيكتبه الإيغوز في الشمال»، لم يكن يدرك أن هناك ثغرة عمياء في الكفاءة التشغيلية للقوات ستنكشف لاحقاً في الميدان. وهو ما نقله الملازم إيتان أوستر، قائد سرية في الوحدة، في حديثه مع أخيه: «لم يكونوا خائفين في خان يونس، ولا في رفح، لكن في تلك الليلة كانت أعصابهم ترتجف».

تبيّن خلال المهمات الاستطلاعية لسريّة أوستر في منطقة العديسة أن القوات كانت تفتقر إلى الجهوزية الكاملة لدخول المناورة البرية في لبنان، وبالأخص من ناحية الاستعداد النفسي، رغم أن القيادة الشمالية كانت قد أعدّت قواتها واستثمرت جهودًا كبيرة في التحضيرات لسيناريو «اقتحام الجليل»، كما يؤكد العميد (احتياط) مئير فينكل، مشيراً إلى أن الجيش تدرّب وعدّل خططه على مدى 11 شهراً استعداداً لهذه اللحظة.

واستنادًا إلى تحقيق الكاتبة رافيتال حوفيل، وقع الاختيار على «إيغوز»، وهي وحدة مشاة متخصصة في حرب العصابات، لتتولى مهمة احتلال العديسة الواقعة على بُعد مئات الأمتار فقط من كيبوتس مسكاف عام، وذلك لتثبيت المنطقة تمهيدًا لوصول القوات التابعة للفرقة لاحقاً.

في المعركة التي انطلقت حوالى الثالثة فجراً، كان أول من أصيب قائد السرية نفسه، الملازم أوستر، في الساعة 4:15 برصاصة في ساقه. إلا أن فرق الإنقاذ لم تتمكن من نقله إلى مستشفى «زيف» الطبي في صفد إلا بعد ثلاث ساعات، نزف فيها دماء كثيرة، ما أدى إلى مصرعه.

وكانت فرق الإنقاذ قد أبلغت المقدم «ع»، قائد الوحدة، قبل أيام من المعركة، بعدم قدرتها على تنفيذ عمليات الإجلاء في هذه المنطقة الجغرافيّة المعقدة، لكنه تجاهل التحذير قائلاً: «لن يكون هناك جرحى».

ونتيجة فجوة التوقعات هذه، اضطر الجرحى إلى إجلاء أنفسهم سيراً على الأقدام لمسافة 500 متر على تلال شديدة الانحدار. وتروي والدة أحد الجنود أن «المحاليل الطبية سقطت من أيديهم خلال الانسحاب إلى المنطقة الآمنة، واضطروا إلى حمل الجرحى على ظهورهم».
استعادة مشهد المعركة – أو على الأقل ما كُشف منها – تكشف عن 9 ساعات وُصفت بـ«الدامية»، شهدت مقتل 6 جنود وإصابة أكثر من 42 آخرين، بينهم عناصر من فرق الإنقاذ. وتتضح التعقيدات الميدانية بشكل أكبر معبر شهادات الجنود التي أشارت إلى انقطاع سلسلة القيادة بين قائد الوحدة والقوات الميدانية خلال المعركة، ما دفع الجنود إلى ارتجال قرارات فردية بشأن البقاء أو الانسحاب، والتعامل مع احتمالية اختطاف أحدهم.

ولا يمكن تفسير المشهد على أنه مجرد عثرات تكتيكية، بقدر ما يعكس ارتباكاً عملياتياً واضحاً وخللاً في الاستجابة الميدانية والمرونة التشغيلية للقوات، ليس على مستوى قائد الوحدة فقط، بل على مستوى قادة السرايا الميدانيين أيضاً. فبعد ساعات من معركة العديسة، أمر أحد قادة السرايا الجنود بالعودة إلى ميدان المعركة لاستعادة المعدات التي خلّفها الجرحى، إلا أن الجنود رفضوا خوفاً من وجود كمائن أخرى في المنطقة. ويكشف ذلك عن أزمة ثقة نشأت بين القوات والقادة، تجلّت لاحقاً في نقاشات حادة بعد المعركة، انتقد خلالها الجنود قيادتهم بحدة بسبب نقص الاستعدادات، وتعريضهم للخطر، والتسبب في مقتل زملائهم، بما في ذلك النقص الحاد في حصص الدم.

لم تنتهِ المعركة عند هذا الحد، بل استمرت آثارها على القوات مع ارتفاع حدة القتال. وفقاً للتحقيق، بعد أقل من شهر على «الكارثة»، طلب عدد من الجنود تسريحهم من الخدمة وإعفاءهم من مهمة الدخول إلى لبنان، فتم تسريح خمسة منهم. ويشير التقرير إلى أن أحد الجنود الذين شاركوا في معركة العديسة تقدم بطلب تسريح مباشر بعد المعركة، إلا أن الطلب قوبل بالرفض، فقرر مغادرة الموقع على متن مركبة هامر على عاتقه الخاص.

واتسعت دائرة التداعيات لتشمل أهالي الجنود، إذ اشتكى والد أحدهم قائلاً: «لقد فقدوا التعاطف… بالنسبة إليهم المهمة فوق كل اعتبار، ويعاملون الجنود القتلى كما لو كانوا خسائر جانبية». وبعد أسبوعين من المعركة، أرسل أهالي الجنود رسالة احتجاجية إلى قائد الوحدة، وقائد وحدة الكوماندوز، ورئيس الأركان، احتجاجاً على سلوك القادة، ومناشدة لاستدارك أزمة الثقة الناشئة: «لسنا بحاجة إلى خلفية عسكرية أو أمنية لفهم كثرة الإخفاقات في هذه المعركة، بدءاً من مرحلة التحضير، مروراً بيوم المعركة، ووصولاً إلى إخلاء الجرحى والمعدات. من الضروري أن تكون لدى المقاتلين صورة كاملة لاستعادة الثقة بقادتهم، ويجب إجراء تحقيق فوري».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *