المرحلة الثانية من خطة ترامب: إنقاذ نتنيـاهو وتسويق لسلام بلا شركاء
في خضمّ النقاش المتصاعد حول خطة ترامب لغزة والمرحلة الثانية منها، تبدو الصورة مختلفة كثيراً عمّا تسعى وسائل الإعلام في الكيان، وتلك التي تدور في فلكه، إلى تصويرها. فالتحدّيات المركزية في خطة ترامب لا تقتصر على نزع سلاح المقاومة، أو نشر قوات أمن دولية، أو مستقبل الحكم في غزة. فتلك قضايا تبدو – في سياق أعمق – ثانوية أمام قضايا أكثر جوهرية، تتعلّق بما لم يستطع الكيان تحقيقه، وما لم تقدّم الإدارة الأميركية إجابة عنه، وما تبقّى من ملفات جوهرية بلا حلّ تشكّل التحدّيات الحقيقية للخطة، وتهدّد نجاحها وتنبئ بفشلها.
لم ينجح الكيان الإسرائيلي، حتى الآن، في تحقيق أهدافه الجوهرية التي أعلنها خلال العدوان، سواء تلك التي أُعلنت صراحة، وفي مقدمتها استرداد الأسرى بالقوة وتدمير حركة حماس بالكامل، أو تلك التي أُخفيت خلف شعارات «الأمن القومي» وتمثلت في فرض السيطرة الكاملة على غزة وترحيل سكان القطاع ولو على هيئة «تهجير طوعي». فرغم العمليات العسكرية الضخمة والضربات الجوية الكثيفة، تواصلت المقاومة الفلسطينية بمستوى من القدرة القتالية والتنظيمية، وهو ما عبّرت عنه حركة حماس حين قالت إن الكيان «فشل شكلياً وسياسياً وأخلاقياً في كسر إرادة غزة».
أمام هذا الإخفاق، سارع ترامب إلى الحضور في المنطقة في مشهد يشبه البروباغندا الشخصية الاستعراضية، بدأها في الكنيست وختمها في شرم الشيخ. وقد اختار توقيت زيارته ليتزامن مع عملية تبادل الأسرى، في ما بدا وكأنه محاولة لسرقة الأضواء وحرف الأنظار وتشتيت الإعلام والجمهور عن مشاهد تحرير الأسرى. وبمقدار ما اهتمّ ترامب بالتسويق لنفسه كصانع للسلام، كان يسعى أيضاً إلى إنقاذ نتنياهو من الضغوط الداخلية المتصاعدة، وهو ما تجلّى في توجهه إلى رئيس الكيان بطلب العفو عن نتنياهو، في مشهد عكس عمق الأزمة السياسية التي يعيشها الأخير وائتلافه الحاكم.
أمّا احتفاء ترامب بأرملة الملياردير شيلدون أديلسون، ميريام، داخل الكنيست نفسه، فكان تأكيداً على الوفاء بتعهّد سابق لها مقابل أكبر تبرّع لحملته الانتخابية الثانية، يتمثّل في مساعدة الكيان على ضمّ الضفة الغربية وبسط سيادته على الأراضي التي يحتلها. وقد كان ترامب قد وفى بوعده لزوجها سابقاً بإعلان القدس عاصمة للكيان مقابل مئة مليون دولار تبرّع بها أديلسون لحملته. ويُقال في واشنطن إنّ ميريام عرضت تبرعاً يفوق أربعة أضعاف المبلغ السابق، في رسالة مفادها أن وقف العدوان على غزة لن يحدّ من الدعم الأميركي لتحقيق أهداف الحكومة الإسرائيلية الأكثر يمينية وتطرفاً في تاريخ الكيان.
في شرم الشيخ، بدا المشهد أكثر سوريالية. فقد أعلن ترامب عن توقيع اتفاق سلام «ينهي الحروب المتواصلة منذ ثلاثة آلاف عام في المنطقة»، من دون وجود شريك يمثّل الطرف الآخر. فالخطة التي وقّعها ترامب، كما أعلن عنها البيت الأبيض، لم تكن سوى شعارات تتغنّى بالسلام وتتعهّد بالسعي إلى تحقيقه من دون خطة واضحة، ولا أطراف معروفة، ولا حلول للقضايا المتفجرة. صوّر ترامب التوصّل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في غزة وما تضمّنته خطته من تصورات لليوم التالي وكأنها بداية حلّ أزمات الشرق الأوسط كلها، ونهايتها في آنٍ واحد.
تحاول وسائل الإعلام في الكيان، وتلك الداعمة له إقليمياً ودولياً، حرف الأنظار عن المسائل الجوهرية، وتسعى جاهدة إلى تسليط الضوء على ما يحدث داخل غزة، مملوءة بعناوين حول «ملاحقة العملاء» و«جثث الأسرى» و«صراعات الحكم» و«مستقبل أجنحة المقاومة»
فعل ذلك وهو يدرك أن خطته لا تجيب عن الأسئلة الأكثر إلحاحاً في المنطقة، خصوصاً تلك المتعلقة بحقوق الشعب الفلسطيني، والدولة الفلسطينية، ومشروع «إسرائيل الكبرى»، ومستقبل اتفاقات أبراهام، والحضور الأميركي العسكري في الشرق الأوسط، والعلاقة مع إيران. قفز ترامب فوق كل تلك القضايا وكأنّ الموافقة على الخطة تُنهيها من الوجود.
بل إنّ ترامب لم يقدّم تصوراً عن أكثر الأسئلة حساسية والمتعلقة بنجاح خطته ذاتها أو فشلها:
كيف سيقنع الدول المانحة بإعادة إعمار غزة من دون إعلان واضح من الكيان بالتراجع عن خطط «إسرائيل الكبرى» وتهجير الفلسطينيين من غزة والضفة؟ وكيف سيقنع الدول الخليجية بالمشاركة في التمويل بعدما لم يتحقق على أرض الواقع لا هزيمة الإسلام السياسي – ممثلاً بحركة حماس – ولا وعدٌ بدولة فلسطينية مستقبلية؟ ثم كيف سيجبر حماس وقوى المقاومة على التخلي عن سلاحها في ظل الشعبية الساحقة التي تتمتع بها في القطاع، وإثباتها لقدرتها على ضبط الأمن بطريقة لا يمكن لأي حكومة مفروضة من الخارج تحقيقها من دون موافقتها؟
التحدّيات التي تفرضها قوى المقاومة ليست عقبة أمام الكيان وحده، بل أمام الخطة كلها، بما في ذلك الإدارة الأميركية نفسها. فحماس تملك سيطرة ميدانية قوية في غزة، ولديها قاعدة شعبية واسعة، وهي بلا شك شريك لا يمكن تجاهله في أي تسوية عملية. وسحب السلاح منها أو فرض حكم دونها يتعارض مع واقع الأرض. كما إن كثيراً من شروط تنفيذ الخطة يتوقف على مدى القبول الفلسطيني الداخلي بالمؤسسات أو الشخصيات التي قد تُعدّ معادية للمقاومة أو أقل ضمانة للشعب الفلسطيني.
في منحى متعمّد، تحاول وسائل الإعلام في الكيان، وتلك الداعمة له إقليمياً ودولياً، حرف الأنظار عن هذه المسائل الجوهرية، وتسعى جاهدة إلى تسليط الضوء على ما يحدث داخل غزة، مملوءة بعناوين حول «ملاحقة العملاء» و«جثث الأسرى» و«صراعات الحكم» و«مستقبل أجنحة المقاومة»، في سياق يخدم مساعي الكيان لعرقلة الانتقال إلى المرحلة الثانية، وكأنه يمهّد الذرائع مسبقاً لاستئناف العدوان في أي لحظة. والحقيقة أن الثغرات الكبيرة التي تضج بها خطة ترامب، والعقبات الهائلة أمام تنفيذها، إلى جانب الأزمة الداخلية في الكيان ومستقبل نتنياهو الشخصي، كلها مؤشرات تدلّ على أنه من المبكر جدّاً التفاؤل بالتزام الكيان وداعميه بمقتضيات الاتفاق.
أراد ترامب أن يجلب الشرق الأوسط كله إلى غزة، ليجعل من وقف النار فيها نقطة انطلاق نحو استئناف مخططه الإقليمي، لكنه – وهو يفعل ذلك – أدخل كل تناقضات الشرق الأوسط إلى صلب خطته: التناقض بين تركيا والكيان، والخلاف المحتمل بين إدارة ترامب ونتنياهو حول أسلوب تحقيق مشروع «إسرائيل الكبرى»؛ فالأول يفضّل الأدوات الاقتصادية والديبلوماسية، بينما يميل الثاني إلى تحقيقه بالقوة العسكرية.
قد ينجح ترامب – مؤقتاً – في لجم جيش الاحتلال عن استئناف عدوانه على غزة، لكن ما لا شك فيه أن تحقيق اختراق حقيقي في المرحلة الثانية من خطته لتثبيت وقف إطلاق النار لا يزال دونه الكثير من العقبات ويواجه عدداً من الشكوك.
* باحث وسياسي فلسطيني
معين الرفاعي

