عبد الباري عطوان
سنخصص هذه الإفتتاحية ليس للحديث عن إغتيال 70 الفا من أبناء قطاع غزة وإصابة اكثر من 200 الف آخرين، نصفهم من الأطفال والنساء، وتدمير 95 بالمئة من المنازل والمباني، وانما عن عمليات الاغتصاب الجنسي، والتعذيب الجسدي الذي يتعرض له المعتقلون في سجون الاحتلال، رجالا ونساء، على أيدي جنود الجيش الإسرائيلي الذي تدعي قيادته بأنه الأكثر انضباطا واخلاقية في العالم، والمناسبة لفتح هذا الملف، تصديق الكنيست الإسرائيلي يوم الاثنين الماضي بالقراءة الأولى على مشروع قانون انزال عقوبة الإعدام بالأسرى الفلسطينيين المدانين بما يسمى اعمالا إرهابية يُقتل فيها إسرائيليون، وسيصبح هذا القرار نافذا بعد التصويت عليه في القراءتين الثانية والثالثة.
كثيرون استغربوا الغاء دولة الاحتلال لعقوبة الإعدام وعدم تطبيقها على مدى 77 عاما، واعتقد بعضهم ان هذا ربما يعود الى “حضارية” هذه الدولة، وانسانيتها، وطابعها الديمقراطي، ولكن الحقيقة مغايرة لذلك تماما، ويمكن اختصارها بالقول ان عدم اعدام الأسرى يعود الى “مكر صهيوني” متجذر يفيد بأن عدم الإعدام المباشر او اللاحق، يستند الى نظرية تقول ان إعطاء فرصة للبقاء على قيد الحياة للمناضل او المجاهد الفلسطيني سيؤدي الى تشجيعه على الاستسلام، وعدم القتال حتى الشهادة، مما يقلل من عدد القتلى الإسرائيليين الذين يهاجمهم في عمليته الفدائية، فاذا كان هذا المجاهد يعلم بأنه سيُعدم لاحقا، سيستمر في إطلاق النار وقتل أكبر عدد ممكن من الجنود الصهاينة حتى اللحظات الأخيرة قبل الشهادة.
في جميع الأحوال، وبعد اعمال التعذيب الجسدي، والنفسي، والمعاملة الوحشية للأسرى، واغتصابهم، لم تعد دولة الاحتلال بحاجة الى اصدار قانون بإعدام الاسرى، لان أعمال التعذيب الجسدي والاغتصاب الموثقة بالصوت والصورة، واحدثها الفيديو الذي سربته المدعية العسكرية يفعات تومر في هذا الميدان بات يدفع المجاهدين للقتال حتى الشهادة لتجنب الاعتقال والتعذيب والاغتصاب التي باتت أخطر وأكثر ايلاما من الموت.
المركز الفلسطيني لحقوق الانسان وثق شهادة الاسيرة الفلسطينية “ن م” عن التعذيب الذي تعرضت له في سجن “سدي ويتمان” في صحراء النقب، التي قالت فيها انها تعرضت للاغتصاب الجماعي من قبل الحراس الإسرائيليين أربع مرات، وجرى تركها في زنزانتها عارية ليومين، وكانوا يتفرجون عليها من ثقب الباب، وصوروها دون ملابسها وهددوها بنشر صورها وعملية اغتصابها على وسائل التواصل الاجتماعي.
اما الأسير الفلسطيني (أ، ن) البالغ من العمر 18 عاما من قطاع غزة، فقد أكد في شهادته ان الجنود الإسرائيليين قاموا باغتصابه جنسيا، ودسوا زجاجة في فتحة شرجه بوحشية، وتكرر المشهد نفسه مع العديد من المعتقلين الآخرين، سواء من الجنود او كلاب الحراسة القوية المدربة على عمليات الاغتصاب للرجال والنساء كأحد وسائل الإهانة والإرهاب النفسي.
الكنيست الإسرائيلي سيقر هذا القانون المتعلق بإعدام الاسرى حتما بعد هذا التوحش الرسمي الحالي، لانه بات يطبق عمليا بطرق مباشرة او غير مباشرة منذ فترة طويلة، اليس حرب الإبادة الجماعية والتجويع التي تمارس حاليا في القطاع هي أقوى صور التطبيق له وأشرسها؟ وهل يحتاج العالم الى ادلة ووثائق بعد ما جرى ويجري في قطاع غزة والضفة الغربية طوال العامين الماضيين؟
ان هذا القانون العنصري الإرهابي الوحشي الإسرائيلي قد يؤدي الى عودة المقاتلين الفلسطينيين الى إحياء العمليات “الاستشهادية” التي بلغت ذروتها في التسعينات من القرن الماضي في الشوارع والمقاهي والمطاعم، ومحطات الحافلات والقطارات في تل ابيب، وحيفا، والقدس، وبئر السبع، واي مكان يتواجد فيه الجنود والمستوطنون الإسرائيليون، ولا نستبعد ان يعجل من هذه العودة عمليات التعذيب والاغتصاب التي تمارس ضد اشقائهم وشقيقاتهم في زنازين الاحتلال.. والأيام بيننا..