مقالات

هندسة الخوف من تركيا الى الصومال.. كيف تمهّد إسرائيل لحرب لم يُتخذ قرارها بعد

د. ميساء المصري

ليس ما تكشفه استطلاعات الرأي الإسرائيلية الأخيرة حول تصاعد الشعور بالتهديد من دول الجوار، والقلق المتنامي من إيران، وتراجع مكانة الاحتلال دوليًا، سوى واجهة دعائية لسردية أمنية مُدارة بعناية فائقة. هذه الاستطلاعات لا تُعبّر عن حقيقة موازين القوى في الإقليم، ولا عن طبيعة العلاقات الفعلية بين إسرائيل وجوارها، بقدر ما تكشف عن حاجة إسرائيلية عميقة، داخلية وخارجية، لإعادة إنتاج الخوف بوصفه أداة حكم، وذريعة استراتيجية، وجسر عبور نحو حرب لم يُتخذ قرارها في تل أبيب بعد، بل لا تزال رهينة الحسابات الأمريكية في واشنطن.

إسرائيل، بعقلها الاستراتيجي الصلب والخالي من الأوهام، تدرك جيدًا أن إيران وتركيا ومصر والسعودية وقطر ليست دولًا معادية لها بالمعنى الكلاسيكي الذي توحي به نتائج استطلاعات معهد سياسات “الشعب اليهودي” التي أثارت ضجيجًا إقليميًا واسعًا. فالعلاقة مع مصر محكومة باتفاقيات أمنية راسخة جعلت الحدود الجنوبية الأكثر هدوءًا في تاريخ الصراع، والسعودية، رغم غياب التطبيع الرسمي، باتت جزءًا من معادلات أمنية واقتصادية متقاطعة، حتى وإن ارتدت عباءة السلام البارد. أما تركيا، فرغم التوتر الخطابي، ما زالت شريكًا تجاريًا وأمنيًا في قنوات خلفية معروفة لدى الطرفين. وقطر ليست خصمًا، بل لاعبًا مركزيًا في إدارة أزمات غزة وترتيبات التهدئة، بدور مباشر وعلني تحت المظلة الأمريكية. إذا كانت هذه هي الوقائع، فلماذا الإصرار الإسرائيلي على الترويج المنهجي لفكرة الحصار والتهديد الوجودي؟

الجواب لا يوجد في نيات هذه الدول، بل في مأزق إسرائيل نفسها. فالدولة العبرية تعيش اليوم أزمة مركبة غير مسبوقة، تبدأ بشرخ اجتماعي داخلي عميق يعترف به نحو 59 بالمئة من الإسرائيليين باعتباره الخطر الأكبر على كيانهم، ولا تنتهي بأزمة شرعية دولية خانقة عقب حرب غزة، وانكشاف صورة الجيش الذي لا يُهزم، وقيادة سياسية مأزومة يتصدرها بنيامين نتنياهو، المحاصر بالفساد والفشل والمهدد بمستقبله السياسي والشخصي. في مثل هذا السياق، يتحول الخطر الخارجي إلى حاجة داخلية ملحّة، ويصبح التهديد الإيراني الأداة الذهبية لإعادة ترتيب الأولويات، وصرف الأنظار عن الانقسامات، وتوحيد الداخل الإسرائيلي خلف عدو وجودي مُتخيّل يجري بناؤه بعناية.

من هنا يجب فهم تضخيم نتائج الاستطلاعات. فعندما يقول 75 بالمئة من الإسرائيليين إن إيران تمثل تهديدًا وجوديًا، لا يعكس ذلك تقييمًا استخباراتيًا دقيقًا، بل يعكس نجاح ماكينة الخطاب الأمني في تحويل القلق السياسي والاجتماعي إلى خوف عسكري. إسرائيل لا تخشى إيران لأنها أقوى منها، بل لأنها تحتاج إليها كعدو مركزي دائم، يبرر عسكرة المجتمع، ويمنح الدولة تفويضًا أخلاقيًا مفتوحًا داخليًا وخارجيًا، ويُبقي المنطقة في حالة توتر دائم يخدم مشاريعها التوسعية.

الربط بين هذا الخطاب الشعبي، وبين التسريبات المتزامنة عن استعداد نتنياهو لتقديم معلومات استخباراتية جديدة للإدارة الأمريكية، ليس تفصيلًا عابرًا. فإسرائيل تُنسّق المسارين معًا بدقة، الداخل يُضخ فيه الخوف، والخارج، وخصوصًا واشنطن، يُغذّى بسردية التهديد الداهم. الهدف هو خلق بيئة سياسية ونفسية تجعل أي عدوان قادم يبدو ضرورة دفاعية لا خيارًا عدوانيًا. فالتقارير عن آلاف الصواريخ الإيرانية، أو إعادة بناء الدفاعات الجوية، أو تحركات غير اعتيادية للحرس الثوري، تُستخدم بوصفها مواد تعبئة أكثر منها معطيات حاسمة، لأن المطلوب ليس الحقيقة، بل التوقيت المناسب.

تل أبيب وواشنطن تعلمان جيدًا أن إيران، بعد جولات الاستنزاف الأخيرة، ليست في موقع هجومي مريح، وأن قدرتها على خوض مواجهة شاملة ما زالت مقيدة باعتبارات داخلية وإقليمية، مهما علت نبرة الخطاب والتصريحات. لكن كلفة الحرب لا يمكن لإسرائيل تحملها منفردة، ولذلك يبقى القرار النهائي معلّقًا بانتظار الضوء الأخضر الأمريكي، ليس عسكريًا فقط، بل سياسيًا واقتصاديًا ودبلوماسيًا.

الأخطر في هذا المشهد ليس احتمال الحرب بحد ذاته، بل وظيفة التهديد. فإسرائيل تعيد إنتاج نفسها كدولة مهددة في محيط معادٍ، رغم امتلاكها أقوى ترسانة عسكرية في المنطقة، وأوسع شبكة تحالفات دولية. هذا التناقض المقصود يسمح لها بالجمع بين دور الضحية ودور المعتدي، بين طلب الحماية وممارسة العدوان، وبين خطاب الخوف وخطط التوسع.

في هذا السياق، لا يمكن فصل هندسة الخوف عن الجغرافيا. فاعتراف إسرائيل بما يسمى أرض الصومال ليس خطوة دبلوماسية معزولة، بل جزء من نقل المواجهة من بلاد الشام إلى البحر الأحمر. إسرائيل تتحرك بعقلية الملء الجيوسياسي للفراغات التي تركتها القوى العربية المنهكة، وتبني مثلثًا خطيرًا يضمها مع إثيوبيا وصومال لاند، بما يعنيه ذلك من موطئ قدم عسكري واستخباراتي في أحد أخطر الممرات المائية في العالم. هذه الخطوة تنقل إسرائيل من دولة تصد التهديد إلى دولة تصنعه، وتُقوّض عروبة البحر الأحمر، وتهدد بشكل مباشر مصالح السعودية ومصر.

السعودية اليوم تواجه مشروعًا أخطر من أي تهديد عسكري مباشر. فالتطويق الناعم الممتد من اليمن، إلى إريتريا، إلى أرض الصومال، إلى إثيوبيا والسودان، لا يحتاج إلى إطلاق رصاصة واحدة ليكون فاعلًا. إنه مشروع استثماري وقانوني طويل النفس، لكنه بالغ الخطورة. أما مصر، فتواجه تهديدًا مزدوجًا لأمنها البحري والمائي، في ظل صمت عربي وعجز استراتيجي.

في الخلاصة، إسرائيل لا تروّج للعداء لأنها تخاف فعلًا، بل لأنها تُحضّر. تُحضّر جمهورها لتقبّل حرب، وتُحضّر حلفاءها لتبريرها، وتُحضّر الإقليم لمرحلة جديدة من الفوضى المُدارة. العدو هنا ليس حقيقة، بل أداة سياسية، وإيران ليست السبب، بل الذريعة. أما القرار الحقيقي، فسيظل معلقًا في واشنطن، لأن حروب هذا الشرق لا تبدأ بالصواريخ، بل بالموافقة الأمريكية.

كاتبة سياسية من الأردن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *