الحريديم يلقون بثقلهم خلف الصفقة: «كله إلا التجنيد»
هل تؤثّر دعوة الحريديم إلى قبول صفقة تبادل أسرى مع حركة «حماس» في قطاع غزة، مهما كان ثمنها وموقف المعارضين لها، في الدفع نحو بلورة صفقة كهذه؟ وهل الدعوة تلك مخصّصة في الواقع لتعزيز العمل على الهدف المذكور أم لتحقيق مصالح حريدية من نوع الاستمرار في إعفاء طلاب المدارس الدينية من التجنيد في الجيش؟ الإجابات متداخلة، وتستحق التوضيح، ولا سيما أن الأسئلة لم تنقطع منذ أن أُعلنت رسالة حركة «شاس» الحريشدية، والتي تدعو رئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، إلى «فداء الأسرى» لدى «حماس».يُشار ابتداءً إلى أن النهج المُتّبع لدى الأحزاب الحريدية التي شاركت في ائتلافات إسرائيل، مع استثناءات قليلة جداً، هو الوقوف بعيداً والامتناع عن التدخل في الشؤون الأمنية والعسكرية، والاكتفاء بتلقّي ما يتفق عليه الآخرون في الائتلاف، على أن لا يتجاوز الاتفاقات والتفاهمات المتعلقة بمصالح الحريديم الخاصة، وفي المقدّمة الإعفاء من التجنيد والعطاءات المالية لمؤسساتهم، مع الإبقاء بشكل عام على «الوضع الراهن» بكل مركباته، خصوصاً لناحية المكاسب والسلطات الدينية، كما هو بلا تغييرات أو تعديلات. وقد ظلت تلك هي الاستراتيجية المتّبعة لدى الأحزاب الحريدية، بشقّيها السفاردي والأشكنازي، على مر حروب إسرائيل وعملياتها العسكرية الكبيرة والصغيرة خلال العقود الأخيرة، وتحديداً في قطاع غزة.
وتقليدياً، يوجد خلاف فقهي بين الحريديم الشرقيين والغربيين من جهة، وبين المتدينين الصهاينة من جهة أخرى، وهم الشق الآخر من المتدينين اليهود، والذين يتجنّدون في الجيش ويشاركون في معاركه، والنشطون في الاستيطان والسيطرة على أراضي الفلسطينيين والدعوة إلى قتلهم وتهجيرهم. وإذ يعطي الحريديم الأولوية للحياة اليهودية على سواها، ويقدّمونها على الأرض واستعادتها (حسب اعتقاداتهم بحقهم فيها)، يرى المتدينون الصهاينة، الذين يُعرفون أيضاً بالمتدينين القوميين، أن على اليهودي أن يفدي بنفسه لاستعادة الأرض من الفلسطينيين والاستيلاء عليها واستيطانها. ووفقاً لهذا الخلاف، تتحدّد السياسات والقرارات في مختلف القضايا ذات الصلة، وفي المقدّمة الشؤون الأمنية وأمور الجيش والحروب والمواجهات.
تلقائياً، ومن منظور فقهي وعقائدي، تساند الأحزاب الحريدية ما تسميه «فداء الأسرى»، والذي تعدّه ذا أولوية وقيمة لا تُقاس، فيما تعارض ذلك الأحزاب الدينية الصهيونية، التي لم تخف موقفها منذ بدء الحرب، وهو أن الانتصار أهم من الأسرى. والخلاف بين الاتجاهين يُترجم تصريحات وأفعالاً، وهو يتغيّر في وتيرته ومستواه وفقاً للواقع والسياسات والمصالح، التي تتنافر بين الجانبين. وبرز ذلك أخيراً في أكثر من محطة سياسية وتشريعية واستحقاقات، تقدّمها تحديداً وزير الأمن القومي، إيتمار بن غفير، الذي يقود واحداً من الحزبَين الدينيين الصهيونيين في الائتلاف الحكومي. ومن بين تلك الاستحقاقات مسألة تجنيد الحريديم في الجيش، والتي أضرّ تعاطيه معها بالمصالح الحريدية، وأيضاً موقفه المعطّل لقانون الحاخامات، الذي يبقي على سلطة التعيينات الدينية في أيدي الحريديم، وغيرهما. وفي الوقت نفسه، يضغط على الحريديم السخط الجمعي لدى الإسرائيليين على خلفية سن القانون الجديد، والذي يزيد مدة الخدمة الإلزامية في الجيش إلى 36 شهراً، قياساً بـ32 شهراً كما كان عليه الحال سابقاً.
بناءً عليه، يمكن القول إن الإلحاح العلني على رئيس الحكومة للموافقة على صفقة التبادل وعدم إعطاء اهتمام للجهات التي تهدّد بإسقاط الحكومة، لأن «فداء النفس اليهودية أولى»، مع ما يرافق هذا من حملة ترويج إعلامية للموقف المذكور، ليس مجرد تعبير عن رأي عقائدي – وإن كان كذلك -، إذ يجري توظيفه في صراعات يرى الحريديم أن استمرارها يضر بمكانتهم ومصالحهم، وتحديداً في ظل رفضهم التجنيد في الجيش في زمن الحرب، وفي الوقت الذي يعلن فيه الأخير أنه بحاجة إلى جنود احتياط لسد النقص في عديد الوحدات التي تقاتل في غزة وفي جبهات المساندة. هكذا، يراهن الحريديم على حرف الانشغال بهم سلبياً، إلى الانشغال بهم إيجابياً، على خلفية أن تحرير الأسرى، وإن عبر اتفاق وأثمان، يُعد مطلب أغلبية الإسرائيليين. أيضاً، يريدون أن يَظهروا في وعي الإسرائيليين، على نقيض الأحزاب الدينية الصهيونية التي ترفض إطلاق الأسرى وتريد مواصلة الحرب والتسبّب بسقوط يومي لقتلى من الجنود الإسرائيليين. لكن هل يؤثّر ذلك في موقف نتنياهو الذي يعرقل صفقة التبادل حتى الآن، وواحد من أهم أسبابه هو الخشية من سقوط حكومته؟ الإجابة هي «نعم… ولكن». «نعم»، لأن رسالة الحريديم تشجّع نتنياهو على قبول الصفقة، إذ تؤكد هذه الأحزاب أنها ستكون إلى جانبه، وتروّج لموقفه و»تضحياته». أما «لكن»، فهي أن الحريديم وحدهم لا يكفلون لنتنياهو بقاء الحكومة أو منع الأحزاب الدينية الصهيونية من إسقاطها. وعليه، فإن المرجّح أن تبقى الأمور على حالها، وإن كان الموقف الحريدي يؤثّر معنوياً في الدفع نحو اتفاق، قد تكون المفاوضات بحاجة إليه، لإسناد عوامل تدفع إلى الاعتقاد، منطقياً وتقديرياً، بإمكانية تحقيقه.
يحيى دبوق

