أخبار عربية ودولية

الخيم التعليمية… بديل الأطفال الغزيين من المدارس

دير البلح | انتظم عشرات الأطفال الفلسطينيين في عدة طوابير متوازية، استعداداً لترديد النشيد الوطني الفلسطيني في مخيم دير البلح وسط قطاع غزة. هناك، صدح صوت المعلمة أمام الأطفال: «أطفالي الأعزاء، ضعوا قبضة أيديكم اليمنى مكان قلوبكم، وهيا لنردد سوياً: بلادي يا أرضي يا أرض الجدود… فدائي يا شعبي يا شعب الخلود». لم يكن هذا المشهد في مدرسة اعتيادية، بل في خيمة مصنوعة من النايلون والقماش داخل مخيم إيواء للنازحين في دير البلح، صنعتها عدة معلمات نازحات من منازلهن من مدينة غزة وشمالها، في محاولة لتعويض الأطفال النازحين عمّا فاتهم من دروس تعليمية طوال أكثر من تسعة أشهر من الحرمان من الذهاب إلى مدارسهم، بسبب الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة.عقب ترديد النشيد، رددت الطالبة سائدة التركماني (12 عاماً) بأعلى صوتها شعار الوطن، ليكرر من خلفها الآخرون: «عاشت فلسطين عربية حرة… المجد والخلود لشهدائنا الأبرار… القدس لنا». تقول التركماني، في حديثها إلى «الأخبار»: «أنا سعيدة اليوم لأنني عدت إلى ترديد هذا الشعار من جديد، حيث كنت أصدح به كل يوم على الإذاعة المدرسية أمام مئات الطلبة في مدرستي في مدينة غزة». وتضيف الطالبة أنها متحمّسة جداً لمراجعة دروسها التعليمية «التي نسيتها مثل جميع الطلاب الغزيين الذين حرمتهم الحرب من الحق في التعليم».
ومن جهتها، تقول معلمة اللغة العربية، تهاني درابية، بعدما أنهت رواية قصة للأطفال: «ولدت هذه الفكرة عندما اكتشفت أن مخيمنا يحتوي على عدد من المعلمات النازحات، فتساءلنا لماذا لا نقوم بتأسيس خيمة تعليمية لتعليم الأطفال النازحين». وتلفت، في حديث إلى «الأخبار»، إلى أن هذه الفكرة قوبلت بترحاب كبير في أوساط المعلمات وأولياء الأمور وحتى الأطفال أنفسهم، مضيفة أن الحرب المستمرة «تسببت بتجهيل الطلبة، وهذا أمر قررنا ألّا نستسلم له». وتبيّن درابية أن أسلوب التعليم المتبع في الخيمة «غير منهجي، لكنه يعتمد على الترفيه والتفريغ النفسي بهدف تخفيف تداعيات الحرب على نفوس الأطفال». وتتابع: «نريد ألا ينسى الأطفال أساسيات اللغتين العربية والإنكليزية، وأن يواظبوا على تعلم دينهم وحفظ القرآن، وأن يبقوا على دراية بقواعد الجمع والطرح وأساسيات الحساب».

أعدت وزارة التربية والتعليم في القطاع خطة مبدئية لاستئناف التعليم في اليوم التالي لانتهاء الحرب


أما مريم أبو راضي، وهي والدة طالبتين في الخيمة التعليمية، فتؤكد أن هذه الخيمة «ضرورية جداً، وتجربة يجب تكرارها في جميع مراكز الإيواء». وتضيف المرأة، في حديثها إلى «الأخبار»، أن «أكثر الأمور التي تقلق الأهالي في هذه الحرب هو استمرار توقف المسيرة التعليمية». وتعبّر أبو راضي عن مخاوفها من تداعيات تدمير مدارس غزة، معتبرة ذلك «حرباً ضد الإنسانية وضد الحضارة وضد العلم»، لافتة إلى أن أفضل مزايا تأسيس هذه الخيمة التعليمية تتمثل في «تخفيفها من ظاهرة عمالة الأطفال المنتشرة الآن».
وبالفعل، تزدحم الأسواق المحلية بالباعة الأطفال الذين يقضون أوقاتهم في مساعدة آبائهم في بيع البضائع على بسطات صغيرة. ويقول الطفل خميس أبو سعدة (11 عاماً)، الذي يمضي نحو 12 ساعة يومياً في الأسواق لبيع المعلبات الغذائية، إنه «مع تأسيس هذه الخيمة، تركت العمل في الطرقات، وبدأت بتلقّي دروسي التعليمية من جديد»، مستذكراً مدرسته في مدينة غزة والتي دمرها الاحتلال الإسرائيلي مثل عشرات المدارس والمؤسسات التعليمية في المدينة. ويضيف، في حديثه إلى «الأخبار»: «أريد العودة إلى مدرستي وإلى بيتي حتى بعدما أصبحا ركاماً. لا أريد الاستمرار في العيش في خيمة بعيداً من مدينتي».
وكان خبراء أمميون اعتبروا أن تدمير أكثر من 80 في المئة من مدارس غزة يثير التساؤل بشأن «إبادة تعليمية متعمدة»، تهدف إلى تدمير نظام التعليم الفلسطيني بشكل شامل. وفي المقابل، تقول وزارة التربية والتعليم في القطاع إنها أعدت خطة مبدئية لاستئناف مسيرة التعليم الأساسي والثانوي في اليوم التالي لانتهاء الحرب. وتستند الخطة إلى إقامة 25 ألف خيمة كقاعات دراسة بديلة في ظل التدمير الكلي أو الجزئي الذي أصاب معظم المدارس في القطاع، فيما تتضمن أيضاً توظيف آلاف المدرسين والمساعدين بدلاً من المعلمين الذين قتلوا في الحرب. وتشير إحصاءات أصدرتها وزارة التربية والتعليم، إلى استشهاد 8672 وإصابة 14583 طالباً في هذه الحرب، فضلاً عن استشهاد 497 وإصابة 3402 من المعلمين والإداريين، في قطاع غزة والضفة الغربية.

عبدالله يونس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *