الصين تعزّز حضورها الفلسطيني: «إعلان نوايا»… في انتظار الاختبار
في ظلّ استمرار الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، استطاعت بكين احتضان 14 فصيلاً فلسطينياً، وقّع ممثلوها، أمس، اتفاق «مصالحة» في جلسة ختامية للحوار الذي امتدّ على مدار 3 أيام، ورسم خارطة طريق لتحقيق المصالحة المنشودة. وعزّز هذا الاتفاق حالة التفاؤل بإمكانية حدوث اختراق قريب في جدار الانقسام المستمر منذ أكثر من 18 عاماً، فضلاً عن بثّه آمالاً بالدفع نحو تشكيل «حكومة وفاق وطني مؤقتة» لإدارة الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة بعد الحرب. الجلسة الختامية التي حضرها وزير الخارجية الصيني، وانغ يي، شدّد في أعقابها الأخير على أهمية تشكيل تلك الحكومة، في ما تمثل هي إحدى النقاط التي يدور النقاش بشأنها بين أطراف مختلفة منذ أشهر، وسط المساعي الإسرائيلية والغربية لإيجاد بديل من حكم «حماس» في القطاع. وإذ رأى وانغ أن «المصالحة هي شأن داخلي بالنسبة إلى الفصائل الفلسطينية» فقد أكد، في الوقت عينه، أنها «لا يمكن أن تتحقّق من دون دعم المجتمع الدولي»، مجدّداً الدعوة إلى «وقف شامل ودائم ومستدام لإطلاق النار في غزة»، ومشدّداً على «بذل الجهود لدعم الحكم الذاتي الفلسطيني والاعتراف بدولة فلسطينية في الأمم المتحدة».وهكذا بدت المبادرة الصينية معاكِسة لتلك الغربية، كونها استندت إلى مبدأ توحيد الفصائل الفلسطينية، بدلاً من تعميق الانقسام في ما بينها. على أن إعلان بكين لم يقطع مع المساعي السابقة في إطار المصالحة، بل هو استند إلى «اتفاقية الوفاق الوطني» التي وُقّعت في القاهرة عام 2011، و«إعلان الجزائر» الذي وُقّع عام 2022، وأكّد «الاستمرار في متابعة تنفيذ اتفاقيات إنهاء الانقسام بمساعدة الشقيقتين مصر والجزائر والأصدقاء في جمهورية الصين الشعبية وروسيا الاتحادية». وفي ضوء هذا الإعلان، اتفق الحضور على «آلية جماعية لتنفيذ بنوده من كل جوانبه، وتقرر اعتبار اجتماع الأمناء العامين نقطة انطلاق لعمل الطواقم الوطنية المشتركة بشكل عاجل». كما تقرر «وضع أجندة زمنية لتطبيق هذا الإعلان».
لكن، مع ذلك، يبدو أنه لا جديد في الرؤية التي تحملها حركة «فتح» خصوصاً، على الرغم من توقيعها على الإعلان؛ إذ هي استبقت الحوار بتحديد مطالبها، ومن بينها: انضواء الجميع تحت راية «منظمة التحرير الفلسطينية»، والموافقة على ما وقّعت عليه المنظمة من التزامات، والالتزام بالقانون الدولي و«حل الدولتين». وهذا الأمر جعل بعض المراقبين يتريّثون في وضع رهانات كبيرة على الإعلان، خصوصاً أن أداء «فتح» في جولات سابقة من المحادثات حال دون التوصل إلى أي نتيجة طيبة في هذا الملف. غير أن القيادة الصينية تراهن على أن الظروف الحالية تؤهّلها للعب دور مغاير، خصوصاً أنها صاحبة «رصيد كبير» لدى الأطراف الفلسطينية، ترجمته استجابة الأخيرة لحضور المؤتمر. وفي تصريحاته، طرح وزير الخارجية الصيني مبادرة بلاده المكوّنة من ثلاث خطوات في ما يتعلق بالصراع الدائر في غزة. وتتمثل الخطوة الأولى، وفقاً لوانغ، في «تحقيق وقف إطلاق نار شامل ودائم ومستدام في القطاع في أقرب وقت ممكن، وضمان الوصول من دون عوائق للمساعدات الإنسانية والإنقاذ على الأرض»، فيما الخطوة الثانية تتمثل في «بذل جهود مشتركة نحو حوكمة غزة بعد الصراع بموجب مبدأ «الفلسطينيون يحكمون فلسطين»». أما الخطوة الثالثة، فهي «جعل فلسطين دولة كاملة العضوية في الأمم المتحدة والبدء في تنفيذ حل الدولتين».
عطايا لـ«الأخبار»: تمّ حذف العبارة المتعلقة بالقرارات الدولية التي تتضمن الاعتراف بإسرائيل قبل التوقيع على البيان النهائي
من جهته، يوضح رئيس دائرة العلاقات العربية والدولية، وعضو المكتب السياسي لحركة «الجهاد الإسلامي» في فلسطين، إحسان عطايا، أنه جرى «تسريب نسخة عن البيان الختامي قبل القراءة الأخيرة» وهو ما أحدث لغطاً، مؤكداً أنه «تمّ حذف العبارة المتعلقة بالقرارات الدولية التي تتضمن الاعتراف بإسرائيل، قبل التوقيع على البيان النهائي»، لافتاً إلى أن تلك العبارات لاقت تحفّظاً من عدة فصائل، بينها حركة «حماس». ويرى عطايا، في حديثه إلى «الأخبار»، أن التسريب يهدف إلى «تضليل الرأي العام ومحاولة إفشال الحوار». وحول «إصلاح منظمة التحرير»، والذي كان من بين مطالب حركتَيْ «حماس» و«الجهاد» وفصائل أخرى في المحادثات السابقة كطريق للمصالحة، يؤكّد عطايا أن «انضواء الجهاد الإسلامي تحت راية منظمة التحرير الفلسطينية مرتبط بالوصول إلى وحدة وطنية فلسطينية شاملة، كما ورد حرفياً في البيان (إعلان بكين)، ولا يمكن للحركة أن توافق على التزامات المنظمة باتفاقية أوسلو، أو الاعتراف بإسرائيل وما يُسمى بحل الدولتين».
أما إذا كان من شأن «إعلان بكين» أن يحدث اختراقاً على طريق الوحدة الوطنية الشاملة، فهذا «مرتبط بصدق النيات من جهة، ومن جهة أخرى بمدى قدرة الفصائل المكبّلة باتفاقية أوسلو على تحدي المنظومة الدولية المعادية، أو قناعتها بأن الوقت قد حان لاتخاذ قرار جريء وشجاع ينسجم مع تطلعات الشعب الفلسطيني وتضحياته، ولا سيما في ظل معركة طوفان الأقصى التي يخوض فيها شعبنا العظيم ومقاومته الباسلة مواجهات بطولية مشرّفة في قطاع غزة وفي الضفة الغربية على حد سواء».
بدوره، رأى رئيس مكتب العلاقات الوطنية في حركة «حماس» وعضو المكتب السياسي، حسام بدران، في تصريحات له، أن الإعلان بمثابة «خطوة إيجابية إضافية على طريق تحقيق الوحدة الوطنية الفلسطينية»، مشيراً إلى أن البيان الرسمي الذي تمّ توقيعه «واضح المضامين»، ويشمل «التوافق على المطالب الفلسطينية، وهي: وقف إطلاق النار، والانسحاب الكامل من قطاع غزة، والإغاثة، والإعمار». وذكر بدران أن أهم نقاط الاتفاق كانت «تشكيل حكومة توافق وطني فلسطيني تدير شؤون شعبنا في غزة والضفة، وتشرف على إعادة الإعمار، وتهيّئ الظروف للانتخابات، وهذا كان موقف حماس الذي دعت إليه وعرضته منذ الأسابيع الأولى للمعركة». وأفاد بدران بأن المجتمعين في بكين شدّدوا على «التصدي لمؤامرات الاحتلال وانتهاكاته المستمرة في المسجد الأقصى المبارك، ومحاولات التهويد للمقدّسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، والإسناد الكامل للأسرى والأسيرات في سجون العدو».
وفي الإطار نفسه، يقول المحلل وعضو مجلس الإدارة في «الجمعية الصينية لدراسات الشرق الأوسط»، رونغ هوان، إن الاجتماع «يُعتبر مهماً جداً كونه احتضن 14 فصيلاً فلسطينياً مختلفاً، لأول مرة، في بكين، لتوقيع الإعلان وتعزيز الحوار وتحقيق المصالحة داخل فلسطين»، لافتاً، في حديثه إلى «الأخبار»، إلى أن «الإعلان هو نتاج جهود كبيرة من الجانب الصيني، وهو يرسل أملاً كبيراً إلى الشعب الفلسطيني الذي يتعرض لمعاناة طويلة المدى». ويشير رونغ إلى أن «الصين أكّدت استعدادها الكامل لمواصلة جهودها للمصالحة، ودعم إقامة دولة فلسطينية مستقلة، وتحقيق السلام في الشرق الأوسط».
لينا بعلبكي

