العدو يبارك أداء سلطة رام الله: تعاون على «جزّ العشب»
رام الله | دخلت العملية العسكرية التي تنفّذها الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية في مدينة جنين ومخيّمها، أسبوعها الثالث، من دون أن تلوح في الأفق أيّ بوادر لاحتواء الأزمة، في ظلّ إصرار رام الله على تحقيق أهداف حملتها، التي تقول إن الغرض منها، محاربة «الخارجين عن القانون». ولم يَعُد خافياً أن هدف العملية ما هو إلّا اجتثاث المقاومة في مخيم جنين، وقد جرى الإعداد لها بالتنسيق مع وبدعم من أطراف دولية كالولايات المتحدة، وغيرها من الدول الإقليمية.
على أن صمت إسرائيل إزاء ما يجري، لم يطل؛ إذ بدت قيادات الاحتلال، مع دخول القتال أسبوعه الثالث، أكثر ارتياحاً وترحيباً بالحملة، حتى أنها أعربت عن رضاها على أداء الأجهزة الأمنية الفلسطينية، في حين أفادت صحيفة «هآرتس» بأن جيش العدو يدرس تزويد تلك الأجهزة بمعدات عسكرية، «لمواجهة التنظيمات في المخيم وتعزيز التعاون الاستخباري». وجاء قرار الجيش، كما يبدو، استجابةً للضغوط التي مارستها الولايات المتحدة عبر منسّقها الأمني مايك فينزل، وسفيرها لدى إسرائيل جاك لوي، ومسؤولين آخرين في إدارة جو بايدن. إذ دعت إلى ضرورة إرسال «شحنة عاجلة من الذخيرة والخوذات والسترات الواقية من الرصاص، ومعدات الرؤية الليلية والمركبات المدرعة» إلى السلطة؛ علماً أن تلك المطالب مدرجة على «القائمة» التي سلّمها رؤساء الأجهزة الأمنية الفلسطينية إلى فينزل في وقت سابق.
وبدت الحكومة الإسرائيلية والمجلس الوزاري المصغر الذي يضمّ عتاة اليمينيين من الذين حرّضوا، خلال الأشهر الماضية، على السلطة، واقتطعوا المليارات من أموال المقاصة، وفرضوا حصاراً مالياً خانقاً عليها، مهلّلين لأداء رام الله. وفي هذا الإطار، قالت «هآرتس» إن «الكابينيت أوعز بتعزيز التنسيق الأمني والاستخباري مع السلطة الفلسطينية، وبحث تزويدها بعتاد عسكري»، في حين أكدت «هيئة البث الإسرائيلية» أن جيش الاحتلال «راضٍ عن العملية الفلسطينية في جنين، ويدعو إلى تعزيز السلطة». وإذ أشارت إلى أن القيادة المركزية أوصت بتعزيز آليات السلطة والتنسيق الأمني معها، أضافت أن 300 ناشط مسلّح من الأمن الفلسطيني يعملون في مخيم جنين، منذ 10 أيام، تحت مراقبة جيش الاحتلال. وبحسب وسائل الإعلام العبرية، فإن المساعدات للأجهزة الأمنية الفلسطينية، ستأتي عبر الوكالات الدولية، التي سيُسمح لها أيضاً بتوفير التدريب لقوات الأمن.
كشف موقع «واللا» أن القيادة المركزية في الجيش «لا تعارض تقديم الذخيرة ووسائل القتال لأجهزة أمن السلطة»
ووفقاً لـ«هآرتس»، فإن تقييم الجيش الإسرائيلي وجهاز «الشاباك»، هو أن «السلطة الفلسطينية عملت ضدّ حركتَي حماس والجهاد الإسلامي بحزم»، فيما كشف موقع «واللا» أن القيادة المركزية في الجيش «لا تعارض تقديم الذخيرة ووسائل القتال لأجهزة أمن السلطة، ما دام أن ذلك لا يعرّض قوات الجيش الإسرائيلي للخطر». ومن جهتها، نقلت صحيفة «يديعوت أحرونوت» عن مصادر في الجيش، قولها إن «أجهزة أمن السلطة تعمل في هذه المرحلة بنشاط غير مسبوق، والتوقعات لا تزال قائمة بأنها ستعمل بقوة أكبر ضدّ مجموعات (المقاومة)» في شمال الضفة الغربية. وأفادت الصحيفة بأنه تمت أخيراً الموافقة على تسليم أجهزة أمن السلطة البدلات الواقية للتعامل مع المتفجرات، بعدما كانت قد حصلت على مركبات مدرّعة وبندقيات رشاشة وأخرى للقنص، بالإضافة إلى بنادق «كلاشينكوف».
ومن المفارقات غير المستغربة أنه بينما كانت الاشتباكات متواصلة بين المقاومين في مخيم جنين وعناصر الأجهزة الأمنية، قصفت مسيّرات الاحتلال على بعد عشرات الكيلومترات في مخيم طولكرم، أربعة مقاومين في مركبة، بينما قتلت القوات الخاصة في مخيم بلاطة، شاباً ومسنّة. وتجدَّدت الاشتباكات المسلحة، صباح أمس، في محاور عدة في مخيم جنين، في ظلّ استمرار العملية الأمنية، وفرض حصار على المخيم. وعلى رغم ذلك، يبدو جليّاً أن عناصر «كتيبة جنين» يرغبون في إنهاء الأزمة، إذ إن ما صرّحوا به وما ينتشر من مقاطع مصورة يدلّ على تجنّبهم إيقاع إصابات في صفوف العناصر الأمنية، من مثل ما ورد في مقطع فيديو يُظهر سحب آلية عسكرية فلسطينية نتيجة إعطابها بفعل العبوات الناسفة، وآخر لتفجير عبوات تحذيرية بالقرب من الآليات العسكرية للقوى التابعة للسلطة. وفي المقابل، عاشت أحياء من المخيم، مساء الخميس، في ظلام دامس جراء انقطاع التيار الكهربائي عنها، عقب استهداف الأجهزة الأمنية محوّل الكهرباء مجدّداً.
وفي ضوء التحركات لاحتواء الأوضاع في جنين، أطلقت مؤسسات أهلية وحقوقية وقوى سياسية وشخصيات وطنية ومجتمعية ومن القطاع الخاص، الخميس، في رام الله، مبادرة «وفاق» لاحتواء الأزمة الراهنة ووضع أسس لعلاقات وطنية متينة، تضمنت التزام جميع الأطراف بإنهاء أشكال الاشتباك والتوتر بشكل فوري، وسحب قوات الأجهزة الأمنية من محيط مخيم جنين بالتزامن مع وقف المظاهر المسلحة في المخيم والمدينة، وفتح حوار شامل من أجل صياغة ميثاق وطني يضمن عدم تكرار الأحداث الحالية في جنين وباقي المحافظات.
احمد العبد

