غير مصنف

إسرائيل في اليمن [2/2]: الخيارات لا تطابق الرهانات

لا تتوقّع إسرائيل أن تؤدي هجماتها على الأراضي اليمنية، وفق أرجح التقديرات لديها، إلى انكفاء حركة «أنصار الله» عن مهاجمتها، وإن كانت الضربات الجوية الإسرائيلية مهمة وضرورية لذاتها، وتحديداً في ما يتعلق بصورة الاقتدار وطلب رضى الجمهور الإسرائيلي. أما الخيار المجدي، فسيستدعي منها إعداداً طويل المدى، مع رهانات غير كاملة على إمكان تحقيق النتائج، علماً أن الخيارات الأخرى، وفي المقدمة الاتكال على التحالف الدولي والإقليمي الذي تقوده أميركا ضد صنعاء، دونها عقبات يتعذّر في المدى المنظور إيجاد حلول لها.
وعلى الرغم من أن الهجمات الأخيرة كانت أكثر عدوانية من هجمات إسرائيلية سابقة، إلا أنها لم تبدّل في حقيقة التقديرات الإسرائيلية، وعلى رأسها أن تل أبيب لا تستطيع فرض حصار كامل على اليمن بقدراتها الذاتية، ولا تحصيل معلومات استخبارية «عالية الجودة» لاغتيال قادة «أنصار الله» أو استهداف أصول قيّمة في اليمن، فضلاً عن أن العمل على تعزيز تحالف دولي فعّال يخدم إسرائيل ومصالحها، دونه أيضاً عقبات تبدو مستعصية على الحل. وبالنتيجة، لا رهان في تل أبيب على أن تحقّق الاعتداءات الإسرائيلية، وقبلها اعتداءات التحالف بقيادة الولايات المتحدة، على اليمن، النتائج المطلوبة، أقلّه في المدى المنظور، وإن كانت تجبي أثماناً، ما يعني أن «أنصار الله» ستستمر في إطلاق الصواريخ والطائرات المُسيّرة الانقضاضية على إسرائيل، وأن القضاء على «التهديد الحوثي» بات يشكّل «تحدياً شائكاً لإسرائيل».

ثمة خشية في إسرائيل من أن لا يتجاوب ترامب مع رغباتها



مع ذلك، تعتقد إسرائيل بأن ثمة استراتيجية يمكن الرهان عليها مع قدر من الحذر، في حال تبنّاها التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة، تقوم على ما يلي: ضرب قادة «أنصار الله»، والبنية التحتية المدنية، وفرض حصار بحري وجوي، وصولاً إلى التدخّل المباشر البري، مع تحريك أعداء «أنصار الله» من الفصائل اليمنية، للسيطرة على اليمن وقلب المعادلات فيه. لكن هل يتجاوب الحلفاء، ولا سيما الأميركي، مع ما تطلبه إسرائيل، خاصة أن استراتيجية كهذه جرى تنفيذها لسنوات طويلة من دون أن تحقّق أهدافها؟ لا بل في حينه، جاءت الحرب التي شنّها التحالف الإقليمي بقيادة السعودية ضد «أنصار الله»، بدعم استخباراتي ولوجستي أميركي – غربي، بنتيجة مغايرة لأهدافها؛ إذ بدلاً من إخضاع الحركة، خضع التحالف السعودي – الإماراتي لمطالبها.
هكذا، باتت المعادلات أكثر وضوحاً بعد سنوات من الحرب على اليمن؛ وما أريدَ له أن يكون عملية محدودة تُخاض لأسابيع لإنهاء «أنصار الله»، أنتج كياناً سياسياً وعسكرياً واجتماعياً يمنياً، لديه القدرة على تحمّل كلفة الحروب، وعلى توجيه ضربات إلى اللاعبين الإقليميين من حلفاء الولايات المتحدة وإيذائهم. كما أن معادلات القوة وموازين التكلفة والفائدة لديه لا تخضع لأسس نظريات الردع والمنع والدفع إلى الاستسلام عبر رافعات الضغط الاعتيادية التقليدية؛ إذ إن الميزان اليمني مغاير تماماً، وهو قادر على تحمّل الأثمان، وصد محاولات فرض الإرادات عليه.
من هنا، ثمة ما يشير، في المقاربة البحثية الإسرائيلية، إلى رهان على قيام الرئيس الأميركي الجديد، دونالد ترامب، باستنساخ التجربة الماضية ضد «أنصار الله»، على أن يكون هو، وليس الوكلاء، الجهة التي تتولّى المهمة، بما يؤدي إلى إسقاط التهديد اليمني. لكن، تُقابل ذلك خشية في تل أبيب من أن لا يتجاوب ترامب مع الرغبات الإسرائيلية، خاصة أن قرار الحرب ممتد، ويستغرق تنفيذه وقتاً وموارد وإشغالاً عن تهديدات يراها أكثر إلحاحاً، فيما قدرة اليمنيين على استهداف مصالح أميركا وحلفائها، غير محدودة، ومن شأنها أن تُدخل الجميع، بلا استثناء، في حرب استنزاف يُرجّح أن تكون مطلباً لليمنيين وليس تهديداً لهم.
ويشير الباحث البارز في «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل أبيب، رئيس برنامج الخليج في المعهد، يوآل غوزانسكي، إلى أن الحل الأمثل للتحدي اليمني، هو ترك إسرائيل المواجهة لدول أخرى عبر العمل على تدويل التحدي والتهديد، إذ إن هناك حدوداً لما تستطيع إسرائيل فعله هناك. ويرى أن «هناك طرقاً أخرى يمكن اتباعها للرد على التحدي الحوثي، من بينها إنهاء الحرب في غزة والتوصل إلى اتفاق مع حركة حماس»، موضحاً أن الطريقة الأخرى هي دفع المال مقابل وقف الهجمات على إسرائيل وعلى الملاحة البحرية في خليج عدن وباب المندب والبحر الأحمر، وهو الحل الأمثل الذي توصّلت إليه السعودية، أي إرسال مئات الملايين من الدولارات من الرياض إلى صنعاء، وفق ما جرى الاتفاق عليه عام 2022 بين الجانبين، ما أدى إلى إيقاف «أنصار الله» هجماتها على السعودية لأكثر من عامين. ويتابع الباحث أن هذا «ليس حلاً جيداً من الناحية الأخلاقية، لكنه الحل الأكثر واقعية».
وعلى رغم أن إسرائيل قد لا تلجأ ابتداء إلى طرق وأساليب كهذه، إلا أن الحديث عنها، وعلى لسان كبار الباحثين والخبراء فيها، إشارة إلى المأزق الذي يولّده التهديد اليمني، ومحدودية الخيارات الإسرائيلية في مواجهته.

يحيى دبوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *