Skip to content
د. هاني الروسان
استاذ الاعلام في جامعة منوبة
هل يمكن وصف ان ما يجري في الجنوب السوري، وتحديدًا في السويداء، على انه مرحلة تجريبية لتقسيم واقعي ناعم، تعمل أطراف متعددة على اختباره بهدوء، عبر إعادة رسم العلاقة بين المركز والأطراف، وتفكيك العقدة الأمنية التاريخية التي كانت تمسك بها دمشق، دون أن تصدر إعلانًا رسميًا بذلك؟؟.
فيبدو من سياق الاحداث وتتاليها إن هذه التجربة لا تهدف فقط إلى احتواء حالة تمرد درزية على السلطة المركزية، بل تتعدى ذلك إلى معاينة قدرة الدولة الجديدة، تحت لواء “أحمد الشرع”، على التماهي مع توازنات إقليمية سريعة التغير والتبدل، وفي مقدمة ذلك ما يتعلق بالعلاقة مع إسرائيل، ومستقبل وحدة الدولة، وإعادة توزيع الأدوار بين القوى الطائفية والقبلية، في ظل انكفاء الدورين الروسي والإيراني، وخروج حزب الله من معادلة الداخل السوري.
الشرع، الذي وصل إلى الرئاسة في لحظة انهيار شبه كامل للنظام، يواجه ورطة مزدوجة: فمن جهة، هو مطالب باستيعاب التصدعات التي خلّفها عقدان من العنف والاستقطاب، ومن جهة أخرى، يُراد له أن يكون مدخلًا لتطبيع النظام السوري مع البيئة الجديدة سواء على صعيد الإقليم او على مستوىالعالم، شرط أن يقبل بإعادة هيكلة الدولة سياسيًا وجغرافيًا وامنيا. وفي هذا السياق، تبدو السويداء المختنقة اقتصاديًا والمحاصرة اجتماعيًا، اختبارًا نموذجًا، إذ ليست فقط العاصمة الدرزية مدينة تعيش خارج السيطرة الفعلية للدولة منذ سنوات، بل هي في آنٍ معًا مجتمع أقلوي مغلق، ومعبر طائفي حساس، وحاضنة لقوى محلية تتغذى على فراغ السلطة وضعف مؤسسات الدولة.
ولذا فان الحراك الدرزي الحالي يظهر وكأنه ثورة محلية محصورة باهداف محلية مطلبية الطابع، غير ان القوى الدولية والإقليمية تدرك أن نجاحها في تحويل هذا الحراك إلى قاعدة “إدارة محلية” دائمة سيكون سابقة قابلة للتكرار في درعا، بل وربما في ريف دمشق وبعض مناطق حوران. لذلك فإن الدعم الذي تتلقاه القوى الفاعلة في السويداء، سواء بشكل مباشر أو عبر قنوات إنسانية وسياسية، ليس بريئًا. بل هو تجريب لشكل من أشكال الحكم الذاتي غير المعلن، يمكن أن يرسخ كأمر واقع ما لم تملك دمشق الجديدة أدوات الرد والردع الحاسم. وهو ما يضع الشرع في مواجهة مع معضلة امتحان القدرة على ممارسة سيادة الدولة، حيث لا يلوح في الافق امامه سوى القبول بواقع مفروض يفتت الجغرافيا باسم الاستقرار، أو المخاطرة بإشعال الجنوب مجددًا، في وقت لا يملك فيه غطاءً دوليًا ولا أدوات قوة ميدانية كافية لحسم المواجهة لصالحه على افتراض ان له وجهة نظر ما في عذا الشأن.
وفي هذا الفراغ، تتحرك إسرائيل بحذر، ولكن بثقة متزايدة. فهي لا ترغب في جنوب سوري فوضوي، بل تريده على اقل تقدير منطقة “محايدة أمنيًا”، خالية من القوى المعادية، ومحاطة بتركيبة مجتمعية محلية تشعر بصورة دائمة بالتهديد من دمشق كما تشعر منه منها. وهنا تلعب ورقة “حماية الدروز” دورًا مركزيًا: فمن خلال التلميح بإمكانية التدخل – سواء لوجستيًا أو سياسيًا – تصنع إسرائيل لنفسها مدخلًا إلى قلب المعادلة السورية الجديدة، دون الحاجة لحرب، أو حتى لاتفاق علني. هذا النوع من التدخل الناعم يحاكي تمامًا ما كانت واشنطن تفعله في مناطق الإدارة الذاتية في الشمال الشرقي، حيث تتم صناعة كيانات حكم محلي مدعومة أمنيًا ومفتوحة سياسيًا على خيارات غير دمشق.
وبالتوازي مع ذلك، تظهر درعا كمنطقة ارتدادية تعاني من الإهمال، لكنها لا تزال عنصرًا فاعلًا في المعادلة. فالرصيد الثوري فيها لم يُمحَ، بل تم احتواؤه بالقوة منذ سنوات، والآن، مع ضعف النظام وتراجع القبضة الأمنية له، قد تعود درعا لتلعب دور نقطة التوازن أو الخلل، بحسب طريقة إدارتها، فعلاقتها المتوترة مع السويداء من جهة، وتواجد العشائر من جهة أخرى، يجعلان منها مساحة صراع مرن. فهي مرشحة لتكون إما شريكًا في “حكم الجنوب الذاتي”، أو شرارة لانفجاره من الداخل، إذا ما فشلت الأطراف في صياغة عقد جديد بين الدروز والسنّة والبدو.
من جهة اخرى فان الجولان، وإن بدا ساكنًا تحت السيطرة الإسرائيلية، فإنه ليس غائبًا عن هذا التفاعل. بل هو سقف الضغط الذي تمارسه إسرائيل على دمشق. فأي ترتيبات في الجنوب، لا بد أن تُقاس بمقياس “أمن الجولان”، وأي تقارب محتمل في المستقبل بين السلطة السورية وإيران أو حزب ان الله سيُواجَه باستنفار إسرائيلي قد يتجاوز الضربات الجوية إلى فرض أمر واقع جديد في الميدان، ربما عبر دعم فصائل محلية، أو من خلال التواصل المباشر مع زعامات درزية ذات علاقة تاريخية مع تل أبيب لخلق واقع جديد. وبذلك، يتحول الجولان من مجرد خط تهدئة إلى خط اختبار لنوايا دمشق الجديدة تجاه السلام، أو على الأقل تجاه الكف عن دعم اي قوى مناوئة.
وعليه فان ما يحدث هو عملية إعادة تفكيك تدريجي لجنوب سوريا، بأدوات مدنية وشبه عسكرية، وبرعاية دولية غير معلنة. وإذا كان الأمر لا يزال في مرحلة تجريبية، فإن نجاح النموذج في السويداء، ولو بشكل جزئي، سيفتح الباب لتوسعه ليشمل درعا، وربما مناطق أوسع من البادية، حيث تتقاطع مصالح الأردن مع مصلحة واشنطن في تحجيم شبكات التهريب وقطع الطريق على أي تمدد إيراني مستقبلي. من هنا، تصبح مسألة “الحكم المحلي” أداة هندسة جيوسياسية، لا مجرد حل مؤقت لأزمة محلية.
وهنا تتضح المعضلة الكبرى أمام الشرع: فالمطلوب منه أن يبدو رئيسًا عقلانيًا منفتحًا على التغيير، دون أن يتحول إلى شاهد زور على تفكيك بلده. وهو يعرف تمامًا أن الغرب، والعواصم الخليجية، لا تريد نسخة مقاومة جديدة من النظام، لكنها لا تريد أيضًا مركزية قوية ترفض التطبيع وتصرّ على إعادة الإمساك بكامل الجغرافيا. وفي هذا المعنى، فإن السويداء ليست سوى الورقة الأولى في دفتر الشروط الذي سيُعرض على الشرع، وكلما تردد أو ناور، سيتم الضغط عليه من خلال تفجير التوازنات في الجنوب، تحت عناوين إنسانية أو طائفية أو أمنية.
وبذلك، فإن مسار التقسيم الواقعي الناعم ليس خطة محكمة بقدر ما هو سلسلة تجريبية من الضغوط والاستجابات. فكلما نجح اللاعبون في فرض نموذج محلي ناجح، ستُمدد التجربة. وكلما فشل الشرع في امتصاص الصدمة أو تقديم بديل وطني جامع، ستُترجم الفوضى إلى ترتيب دائم، يُنهي عمليًا مركزية دمشق، ويجعل من سوريا كيانًا هشًا، محكومًا بتوازنات محلية وإقليمية قابلة للانفجار في أي لحظة. والجنوب السوري اليوم هو مختبر هذا المسار، ونتائجه سترسم حدود سوريا الغد.