Skip to content
ميشيل شحادة
لم يكن طوفان الأقصى واقعة عابرة أو مواجهة عسكرية محدودة الأفق، بل منعطفاً استراتيجياً فارقاً سيُسجَّل في تاريخ المنطقة بوصفه زلزالاً هائلاً قلب كل الموازين. لقد فجّر الطوفان تحولات عميقة وسريعة في البيئة الإقليمية والدولية معاً، وأعاد تعريف جوهر الصراع مع المشروع الصهيوني، ليس باعتباره صراع حدود أو تسويات سياسية، بل باعتباره صراع وجود لا يقبل القسمة أو التعايش. الحكم على هذا الطوفان لا يمكن أن يتم في خضم المعركة أو تحت ضغط الدماء اليومية، بل بعد أن تنكشف كل التداعيات وتترسخ آثارها. ومع ذلك، فإن الثابت أنّ السؤال لم يعد “هل أنت مع أو ضد؟”، بل “كيف نتعامل مع ما فتحه الطوفان من مسارات.”
هذا الحدث التاريخي كشف محدودية التفكير الاستراتيجي العربي والفلسطيني، وأظهر الحاجة إلى قيادات تمتلك البصيرة والقدرة على اقتناص الفرص بدل الاكتفاء بردود الأفعال المتأخرة. الطوفان لم يكن وليد لحظة عاطفية، بل نتاج وعي عميق وإعداد طويل المدى وجرأة نادرة في اتخاذ القرار. وقد كان هدفه الأساسي كسر أنماط راسخة منذ عقود، وتغيير البيئة الاستراتيجية بما يمهّد لمسار جديد لا يشبه ما سبقه من محاولات التفاوض أو الاستنزاف العسكري.
من أوسلو إلى الطوفان: انهيار وهم التسوية
منذ توقيع اتفاقية أوسلو، رُوِّج للوهم الكبير المسمى “السلام”، والذي قدّم للفلسطينيين على أنه مدخل إلى الدولة المستقلة والعودة وحل شامل. لكن بعد ثلاثة عقود، تبيّن أنّ المشروع لم يقدّم سوى سلطة محدودة الصلاحيات تحوّلت إلى وكيل أمني عن الاحتلال، بينما استمر الاستيطان والتهويد وتصاعدت مشاريع الضم. الساحة الفلسطينية الرسمية شُلّت تماماً تحت عباءة أوسلو، وغرقت في فساد داخلي جعلها رهينة مطلب نزع السلاح لا أكثر.
أما المقاومة الفلسطينية، فمنذ عام ٢٠٠٦ أثبتت صموداً ملحمياً اسطوريا في معارك متعاقبة ضد غزة. لكن هذا الصمود العجائبي لم يُترجم إلى إنجاز سياسي حقيقي، إذ كان الكيان الصهيوني يعيد فرض معادلة الاستنزاف بعد كل مواجهة، بينما بقيت البيئة السياسية الفلسطينية والعربية عاجزة عن تحويل الانتصار الميداني إلى مكاسب استراتيجية.
على المستوى العربي، انحدرت الأنظمة إلى مستوى من الانحطاط جعلها تتعامل مع فلسطين بوصفها “قضية داخلية فلسطينية”، لا قضية عربية أو إسلامية جامعة. بل إن بعض هذه الأنظمة تورطت في مصالح مشتركة مع اليمين “الإسرائيلي” المتطرف المدعوم أمريكياً، في ظل تصاعد مشاريع تهويد القدس وضم الضفة الغربية. وفي هذا الانسداد الكامل، جاء الطوفان كفعل استراتيجي فارق يفتح أفقاً جديداً ويعيد صياغة المشهد برمته.
زلزال أمني: سقوط نظرية الردع “الإسرائيلية”
أبرز ما كشفه طوفان الأقصى أنّ صورة “إسرائيل” كقوة عصيّة على الكسر لم تكن سوى وهم متراكم. فقد برهنت مقاومة محاصرة، بلا عمق جغرافي ولا إمكانات ضخمة، أنّها قادرة على خرق منظومة عسكرية وأمنية واستخبارية شُيّدت لعقود طويلة وسندها الغرب وفي مقدّمته الولايات المتحدة. خلال ساعات معدودة فقط، تهاوت أعمدة ما يُعرف بعقيدة الأمن “الإسرائيلي”، من الردع والإنذار المبكر، الى القدرة على الحسم، ثم الدفاع.
تمكنت المقاومة من التوغل ١٢ كيلومتراً في العمق، وأوقعت فرقة صهيونية كاملة مسؤولة عن غزة، مظهرة هشاشة المنظومة الأمنية برمتها. لم يعد الحديث عن “الجيش الذي لا يُقهر” صالحاً، بل عن جيش يمكن أن يُهزم وتُكسر أركانه. بهذا المعنى، الطوفان لم يكن عملية عسكرية فحسب، بل زلزالاً استراتيجياً أعاد تعريف طبيعة “إسرائيل” ذاتها.
الكيان على جهاز تنفّس غربي
أظهر الطوفان أن “إسرائيل” ليست كياناً قائماً بذاته، بل تعتمد اعتماداً شبه كامل على دعم خارجي سياسي وعسكري ومالي يشبه “جهاز التنفّس الصناعي”. ما إن طُرحت هذه الحقيقة حتى برز السؤال الاستراتيجي الكبير: هل لا تزال “إسرائيل” مصلحة عليا للغرب، أم أنها تحوّلت إلى عبء متزايد يضر أكثر مما ينفع؟ وكذلك فإن مشروع التطبيع لا يضيف شيئاً جوهرياً لدول كالسعودية التي تملك أصلاً علاقة استراتيجية مباشرة مع الولايات المتحدة، ولا تحتاج إلى “إسرائيل” كوسيط.
داخلياً، عجّل الطوفان في كشف التناقضات المتجذرة في المجتمع الصهيوني بين التيارات الدينية والعلمانية، وبين مكونات اليمين واليسار، وأخرج الخلافات إلى العلن بشكل يهدد بتفكيك البنية الداخلية للكيان. أما خارجياً، فقد انهارت الصورة التي طالما تسلّحت بها “إسرائيل” باعتبارها “الجيش الأكثر أخلاقية” أو “الديمقراطية الوحيدة في المنطقة”. المحاكم الدولية باتت تنظر إليها كمتهمة بجرائم حرب وابادة جماعية، ولم تعد تهمة “معاداة السامية” كافية لإسكات الأصوات المنتقدة.
قرار استراتيجي لا رد فعل عاطفي
حد الأسئلة التي طُرحت هو: هل كان مخطّط الطوفان على علم بردود الفعل “الإسرائيلية” أم لا؟ والحقيقة أن هذا سؤال عدمي في جوهره، إذ لم يكن أساس الخطة قائمًا على التنبؤ الدقيق بالردود، بل على اتخاذ قرار استراتيجي بتغيير البيئة برمّتها، مع الاستعداد لتحمّل تداعيات جسيمة والتخفيف منها عبر فتح جبهات متعددة وتشتيت الضغط بالمواجهة السياسية والإعلامية والدبلوماسية، إضافة إلى الصمود الأسطوري. وقد أظهرت المراسلات التي كشفها العدو نفسه وجود توجه استراتيجي واضح وتنسيق محكم لفتح جبهات في الضفة الغربية ولبنان والإقليم، بل وحتى في البحر والمحيط. والغاية كانت ألّا يُترك الضغط مركزاً على غزة وحدها، بل أن يتوزع بحيث يصعب على الكيان الصهيوني احتواؤه.
بهذا المعنى، الطوفان لم يكن فعلاً عشوائياً أو انفعالاً عاطفياً، بل ثمرة تخطيط طويل استغرق سنوات، هدفه نقل الصراع من حالة الاستنزاف الدائم إلى حالة التحول الاستراتيجي.
بداية لا نهاية
بعد ما يقارب عامين على اندلاع المعركة، يتبيّن أن ما نعيشه ليس خواتيم الطوفان، بل بداياته الأولى. كانت عملية السابع من أكتوبر الموجة العاتية التي حطّمت جدار الصمت وخلخلت ركائز الوهم، غير أن الصدى الأعمق لم يظهر بعد ولن يتجلى إلا حين تهدأ نيران الحرب قليلاً. استمرار القتال اليوم يمنح نتنياهو فسحة لالتقاط أنفاسه السياسية، إذ يشغل المجمع الصهيوني عن فشله المدوي، غير أن ساعة الحساب آتية لا محالة، وحين تنقشع العاصفة سيدفع كل مسؤول سياسي وأمني وعسكري صهيوني الثمن الفادح.
حتى السلطة الفلسطينية ستواجه محاسبة شعبية عسيرة، بعدما كشفت الأحداث عجزها الكامل، كما ستُسجَّل مواقف بعض الأنظمة العربية التي وقفت ضد الطوفان أو حاولت إفشاله باعتبارها خيانة موثقة. لقد عرّى الطوفان المنطقة بأسرها، وكشف عفن الانحطاط العربي، وفضح الأنظمة التي لم تجد حتى في معاناة الشعب الفلسطيني فرصة لتقديم موقف إنساني أو وطني يحفظ كرامتها.
المشروع الإسرائيلي: تهجير شامل
في المقابل، لدى إسرائيل مشروع استراتيجي واضح منذ نشأتها، التوسع على قاعدة التهجير. خطتها الأولى كانت المجازر والاقتلاع، واليوم بات المشروع معلناً، تهجير سكان غزة والضفة وحتى أراضي ٤٨. هناك دول عربية منخرطة في مقاربات لإيجاد أماكن بديلة للفلسطينيين، من العراق وبادية الشام، إلى كندا وأستراليا. يجري الحديث أيضاً عن توطين الفلسطينيين في سوريا ولبنان وبعض دول الخليج وشمال أفريقيا.
الطوفان بهذا المعنى عجّل ما كان سيحدث بعد عقد أو أكثر، وطرح التحديات الآن بدلاً من المستقبل. المواجهة اليوم أفضل بكثير من مواجهتها بعد عشر سنوات حين يكون الجميع أكثر ضعفاً وهشاشة. لقد قصّر الطوفان المسافات وقال للعالم: “واجهوا الآن من معركة الوعي إلى معارك الإعداد والانخراط.”
أعظم ما أفرزه طوفان الأقصى أنه حسم معركة الوعي نهائياً. لعقود كان يُقال إن المطلوب “صناعة وعي” بالقضية الفلسطينية، فجاء الطوفان ليؤكد أن الوعي قد ترسّخ بالفعل في وجدان الأمة وشبابها، معلناً أن “إسرائيل” كيان لا يمكن أن يتعايش مع شعب فلسطيني حرّ. بهذا انتقلنا من مرحلة التنظير إلى مرحلة القيم التأسيسية الراسخة، ولم يعد مقبولاً الحديث عن “معركة وعي”، بل عن الإعداد والجاهزية والانخراط المباشر.
سقوط صورة إسرائيل عالمياً
أثبت الطوفان أن “إسرائيل” ليست دولة طبيعية بل كيان هشّ يمكن أن يُهزم. لم تعد قوتها الذاتية كافية لبقائها، بل باتت مكشوفة ككيان يعيش على أنقاض الآخرين ويمدّه الغرب بالمال والسلاح. خارجياً، لم تعد الدعاية عن “الجيش الأخلاقي” أو “الديمقراطية الوحيدة” تنطلي على أحد. المحاكم الدولية نفسها باتت تتعامل مع إسرائيل كمتهمة بجرائم حرب، بينما الشعوب والحركات في الغرب أعادت فلسطين إلى قلب الوعي العالمي باعتبارها قضية حرية وإنسانية لا يمكن تجاوزها.
في الختام، طوفان الأقصى ليس مجرد محطة عسكرية، بل لحظة استراتيجية فارقة. لقد حسم معركة الوعي، عجّل المواجهة بدل تأجيلها، وكشف هشاشة الكيان الصهيوني من الداخل والخارج. القيمة الكبرى للطوفان ليست في تكتيكاته الثقيلة ولا في الخسائر الهائلة التي تكبّدها الشعب الفلسطيني، بل في أثره الاستراتيجي طويل المدى. إنه بداية عهد جديد ستتحدث عنه الأجيال بوصفه فاصلة تاريخية: ما قبل الطوفان وما بعده.
كاتب فلسطيني