مقالات

منتدى الدوحة… أسئلة المنطقة والعالم


أنور الخطيب – ٧/ ١٢/ ٢٠٢٥
افتتاح منتدى الدوحة
وافتتح أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمس، منتدى الدوحة الذي يستمر يومين (أمس واليوم الأحد)، مؤكداً في منشور على “إكس”، أن المنتدى ينعقد هذا العام “في ظروف إقليمية ودولية تحتاج إلى تكاتف جميع الجهود لخفض التوتر، ودعم السلام والاستدامة في المنطقة والعالم، من خلال ترسيخ العدالة، وتعزيز التنمية الإنسانية ومبادئ الحلول السلمية لمختلف النزاعات”، مرحباً بالضيوف في قطر. والتقى أمير قطر عدداً من قادة الدول ورؤساء الحكومات المشاركين في أعمال منتدى الدوحة. وذكرت وكالة الأنباء القطرية “قنا” أن أمير قطر، التقى على حدة كلّاً من الرئيس السوري أحمد الشرع والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، والرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، بالإضافة إلى رئيس غانا، جون دراماني ماهاما، ورئيس مجلس الوزراء اللبناني نواف سلام.
من جهته، قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني في افتتاح المنتدى، إن “العدالة باتت في كثير من الأحيان غائبة عن مسار القانون الدولي، وسط عالم تتقدم فيه المصالح على المبادئ، ويُستبدل فيه القانون بالقوة”، مضيفاً أن “عالمنا يشهد تفاقماً غير مسبوق للأزمات، ليس بسبب غياب الموارد أو المعرفة، بل بسبب غياب المساءلة، واستمرار النزاعات دون حلول عادلة، ما يشكّل تهديداً مباشراً للسلم والأمن الدوليين”. وحذّر من أنه “عندما تدار الأزمات بمنطق القوة بدلاً من القانون وحين يبقى المعتدي بعيداً عن أي مساءلة، فإن النظام الدولي يتحول إلى ما يشبه مجموعة من الوعود غير المنجزة”. ولفت إلى أن “التوترات المتلاحقة كشفت أن إدارة الأزمات بحدّها الأدنى، أو الاحتفاظ بتوافق دولي مؤقت دون معالجة جذور الصراع، لم يعد خياراً صالحاً، فالأزمات حين لا تحقق حلولها العادلة، تعود أشدّ تعقيداً، وتتمدد إلى ما وراء حدودها، والتوافق المؤقت لا يوقف التاريخ، بل يؤجل استحقاقاته، لذلك نقول اليوم بثقة، الحلول العادلة وحدها هي التي تصنع السلام المستدام وتمنع استمرار دائرة النزاع والانقسام”.
كما حذّر رئيس الوزراء القطري من أن “غياب المساءلة يظلّ أحد أخطر مظاهر الاختلال في نظامنا الدولي، وهو ما يتجلى في منطقتنا، فمعاناة الشعب الفلسطيني تحت انتهاكات صارخة للقانون الدولي، والمآسي التي يشهدها السودان من مجازر وانتهاكات جسيمة، تبرز جميعها أن تحقيق العدالة وحماية الحقوق شرط لا غنى عنه، لصون استقرار المنطقة ومنع تفككها”.
كما تطرق إلى الوضع السوري “بعد سنوات قاسية من غياب العدالة”، معتبراً أن “الشعب السوري يمضي في مسار يأمل أن يقوده إلى التعافي، من عدالة انتقالية تعزّز التماسك وتنبذ الطائفية، ما يمهّد الطريق نحو سلام يطوي صفحة الماضي ويستند إلى المشاركة والعدالة”. وشدّد على أن “السلام الدائم لا يتحقق بقرارات شكلية، بل بجهد تشاركي يضع كرامة الإنسان في صميم كلّ السياسات”. ولفت إلى أن “سياسة قطر تنطلق من تطابق القول مع العمل، ومن انسجام المبادئ مع الممارسة، ومن التزام ثابت بمسؤولية دولية لا نميّز فيها بين الأطراف بل نقف فيها إلى جانب ما يخدم الإنسان ويحفظ كرامته”.
وتطرق رئيس الوزراء القطري، خلال جلسة نقاش ضمن فعاليات المنتدى، إلى واقع اتفاق وقف النار في غزة، معتبراً أن “المفاوضات بشأنه تمر بمرحلة مفصلية”، لافتاً إلى أن الوسطاء يعملون معاً لدخول المرحلة التالية من وقف إطلاق النار، وهو ما لن يكون مكتملاً من دون انسحاب إسرائيلي كامل من القطاع. وقال الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني: “نتفاوض لرسم المسار المستقبلي للمرحلة التالية، مضيفاً نحن الآن في اللحظة الحاسمة، لا يمكننا أن نعدّ أن هناك وقفاً لإطلاق النار، وقف إطلاق النار لا يكتمل إلا بانسحاب إسرائيلي كامل وعودة الاستقرار إلى غزة”. ولفت إلى أن “الأميركيين كانوا يتحدثون مع طرف واحد في المفاوضات، وبدؤوا في المراحل الأخيرة الحديث إلى الطرفين”. وأضاف: “لسنا في صفّ طرف ضد الطرف الثاني، بل دورنا هو ضمان أن يستمر الحوار، وأن يؤدي إلى نتائج إيجابية وبنّاءة ويؤدي إلى نهاية الصراع والمعاناة”.
وتنص المرحلة الثانية من اتفاق وقف النار في غزة التي لم يبدأ تنفيذها بعد، على انسحاب قوات الاحتلال من مواقعها الحالية في غزة، وتولي سلطة انتقالية الحكم في القطاع مع انتشار قوة استقرار دولية. وأوضح رئيس الوزراء القطري، الذي التقى على هامش المنتدى وزيري الخارجية المصري والتركي، بدر عبد العاطي وهاكان فيدان، أن بلاده وتركيا ومصر والولايات المتحدة، وهي الجهات الراعية للهدنة، “تلتئم للدفع قدماً بالمرحلة المقبلة” من الخطة، مشيراً إلى أن “هذه المرحلة هي مجرد مرحلة مؤقتة من منظورنا، فإذا ما كنا نقوم بمجرد حلّ ما حصل في السنتين الماضيتين، فهذا ليس بالأمر الكافي”، داعياً إلى “حلّ مستدام يحقق العدالة لكل من الشعبين”.
من جهته، دقّ وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، خلال جلسة حوارية في المنتدى، ناقوس الخطر بشأن مآلات اتفاق غزة، محذراً من أنه “إذا أخفق المجتمع الدولي في تنفيذ المرحلة الثانية من خطة وقف النار، فسيكون ذلك فشلاً كبيراً” للعالم والولايات المتحدة. وأوضح أن “الهدف الرئيسي لقوة إرساء الاستقرار في غزة، هي الفصل بين الإسرائيليين والفلسطينيين”، معتبراً أن نزع سلاح حركة حماس ليس أولى الأولويات في القطاع، مضيفاً أن الحركة “جاهزة لتسليم إدارة القطاع للجنة مشكلة من شخصيات فلسطينية في إطار المرحلة الثانية من خطة السلام”. وقال بشأن ذلك: “لا يمكن أن يكون نزع السلاح هو الخطوة الأولى في هذه العملية، علينا أن نضع الأمور في نصابها الصحيح، علينا أن نكون واقعيين”، لافتاً كذلك إلى أن بلاده جاهزة ومستعدة للقيام بكل ما يلزم للمساهمة في جهود السلام الحالية في غزة، داعياً إلى التحلي بالواقعية عند الحديث عن تحديد مهام قوة الاستقرار التي تواجه في رأيه تحديات كبيرة على مستوى تأسيسها، والدول التي ستساهم بقوات فيها، بالإضافة إلى بنية القيادة والشؤون اللوجستية، وقال إنه حين تصبح هذه المنظومة حاضرة، يمكن التوقع حينها إنجازات منها. وفي الشأن السوري، رأى أن “سياسات إسرائيل المزعزعة للاستقرار في سورية تمثل مشكلة رئيسية تعيق جهود الوحدة”، نافياً أن تكون بلاده “قد منحت الحكومة السورية شيكاً على بياض لقمع الأقليات”، ومشدداً على “وجوب أن يشعر الجميع بالأمن والحرية”.
وكانت فلسطين حاضرةً أيضاً في منتدى الدوحة من خلال كلام وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس، الذي حذّر من أن عنف المستوطنين في الضفة الغربية خرج عن السيطرة، مشدّداً على ضرورة العمل على وقفه وإعادة إعمار قطاع غزة. وقال إنه “حين نعمل من أجل السلام في الشرق الأوسط، فإن السلام يعني حلّ الدولتين”. من جهتها، اعتبرت المقررة الأممية المعنية بحقوق الإنسان في فلسطين فرانشيسكا ألبانيز، في حديث لـ”التلفزيون العربي” أن إسرائيل “قد تحقق بوقف إطلاق النار ما لم تنجزه بالإبادة”، مضيفة أنه “من المعيب تأخر الاعتراف بدولة فلسطين وعدم اعتراف دول بها”، مشددة على أن “خطة إسرائيل للتطهير العرقي بفلسطين مستمرة بموافقة دول عدة”. ورأت أن “الوضع في غزة أنتج خللاً في النظام الدولي يصعب إصلاحه” إذ ينبغي “لدول العالم حظر الأسلحة وقطع العلاقات مع إسرائيل”.

سورية بعد سقوط نظام الأسد
واحتلت سورية بعد سقوط نظام الأسد، حيّزاً في نقاشات منتدى الدوحة الذي حضر افتتاحه أمس الرئيس السوري أحمد الشرع، وشدّد خلال جلسة حوارية فيه على أن بلاده “تسير في المسار الصحيح” مضيفاً أن “كلّ الخطوات التي اتخذناها صبّت في المصلحة العامة السورية”، وأن سورية ذاهبة باتجاه رفع العقوبات عنها. ومتطرقاً إلى الاعتداءات الإسرائيلية اليومية على بلاده، قال إن “كل العالم يؤيد سورية في مطالبتها بانسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها” بعد 8 ديسمبر/كانون الأول 2023. وبشأن المفاوضات مع الاحتلال، قال إنها “جارية وسورية أصرّت على احترام اتفاق فضّ الاشتباك 1974″، معتبراً أن “البحث عن اتفاقات أخرى يدخلنا في مكان خطر”. ورأى الشرع أن إسرائيل تعمل على تصدير أزماتها للخارج والتهرب من مجازرها في غزة، وسورية هي التي تتعرض للهجمات ومن الأولى أن تطلب الضمانات.
ومع بلوغ إسقاط الأسد عامه الأول في ظلّ تحديات عدة يعيشها الداخل السوري، قال الشرع في منتدى الدوحة: “ورثنا مشكلة كبيرة ويجب أن نعالجها بحكمة جديدة وشكّلنا لجاناً لتقصي الحقائق بعد النزاعات”، موضحاً أن “كل الطوائف مشاركة اليوم في الحكومة السورية دون مبدأ المحاصصة”. وقال: “حققنا إنجازات خلال العام الماضي وحصلت بعض الإشكالات التي لا نقبل بها على الإطلاق ونعمل على محاسبة المتسببين في ذلك”، لافتاً إلى أن “الاجراءات التي قمنا بها ساعدت على تهدئة الأوضاع في البلاد”. وعن المسار الديمقراطي بعد سقوط الأسد، قال إن سورية “بعد أربع سنوات ستذهب إلى انتخابات”، وهي ذاهبة اليوم “إلى بيئة اقتصادية ناهضة وهو ما سيساعد في تحقيق الاستقرار”، محذراً من أن تقسيم السلطة على الطوائف والأعراق خطأ كبير.
والتقى الشرع على هامش منتدى الدوحة رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، إذ جرى بحث سبل تطوير العلاقات الثنائية، وفق الوكالة الوطنية للإعلام (الرسمية اللبنانية). كما التقى سلام ونائبه طارق متري، أمير دولة قطر، الذي أكد “استمرار دولة قطر في دعم لبنان سياسياً واقتصادياً”، مشيراً إلى أن “الدوحة ستعلن قريباً عن حزمة جديدة من مشاريع الدعم المخصّصة للبنان”. من جهته، أشار سلام إلى أن “الجيش اللبناني يواصل القيام بمهامه في بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية، بدءاً من جنوب الليطاني حيث شارفت المرحلة الأولى على الاكتمال”، مشدداً على “ضرورة تكثيف الحشد الدبلوماسي للضغط على إسرائيل من أجل وقف اعتداءاتها والانسحاب من المناطق التي ما زالت تحتلّها”.
وفي مقابلة له مع التلفزيون العربي، تناول سلام على هامش منتدى الدوحة مسألة انخراط ممثل مدني عن لبنان، هو السفير سيمون كرم، رئيساً للوفد اللبناني في لجنة الميكانيزم (اللجنة التقنية العسكرية للبنان)، وهي التي تعدّ آلية مراقبة وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله، قائلاً إن ذلك “يرفع المفاوضات من المستوى العسكري إلى مستوى ما فوق العسكري، وهذا كان طلب عدد من الدول، بمن فيهم الأميركيون، ونحن لا مانع لدينا، وتساءل: “إذا كان هناك مكسب من ذلك، فما المانع؟ ولكن أين الخسارة؟ وقد يكون هنالك مكسب في ذلك، وهو امتصاص شيء من الضغط الأميركي، ويلبي مطلباً أميركياً، ولا خسارة للبنان”. كما أكد أن رئيس مجلس النواب نبيه بري، كان على علم بتسمية كرم، ولم يبد اعتراضاً على ذلك، كما أكد أنه “إذا كانت هناك حاجة لمشاركة مدنيين آخرين في المفاوضات مع إسرائيل فسنقوم بذلك، مثل قانونيين وطوبوغرافيين وجغرافيين”، قائلاً إنها “ليست المرة الأولى التي ندخل فيها بمفاوضات مع إسرائيل”. ورأى أن “الحديث الإسرائيلي عن تعاون اقتصادي مع لبنان سابق لأوانه ولن يحدث إلا بعد السلام”.
يذكر أن منتدى الدوحة 2025 يقدّم برنامجاً غنياً بالجولات الحوارية والجلسات المُتخصصة، الذي تمّ تطويره بالشراكة مع مؤسسات فكرية وبحثية دولية. ومن أبرز جلساته: الوساطة في زمن التشرذم بالتعاون، “منعطف غزة” بالتعاون مع مجموعة الأزمات الدولية لبحث مسؤوليات الأطراف الإقليمية والدولية تجاه متطلبات السلام والاستقرار، “علاقات الخليج والاتحاد الأوروبي في عصر العزلة الاستراتيجية” بالشراكة مع جهات بحثية متخصصة لتقييم أبعاد التعاون المشترك “اضطرابات تمويل الصحة العالمية” بالتعاون مع مؤسسة بيل غيتس لاستشراف آليات دعم الرعاية الصحية الأولية في ظل تراجع التمويل الدولي، “الذكاء الاصطناعي سلاحٌ ذو حدين” بشراكة مع معهد جيجو للسلام لبحث الاستخدام المسؤول للتقنيات في المجال العسكري و”العلاقات بين الولايات المتحدة والصين” بالتعاون مع مركز الصين والعولمة لفهم تداعيات التنافس الدولي على النظام العالمي”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *