الرئيس الإيراني وفن الممكن
فوز الإصلاحي الطبيب منصور بزشكيان رئيساً لإيران في جولةٍ ثانيةٍ دارت الجمعة الماضية حدثٌ هام. مهما قيل فإن إيران المحكومة بعقيدةٍ صلبةٍ تمارس ديموقراطيةً خاصةً بها تسمح بالتنافس بين أقرانٍ هم أولاً أعمدةَ حكمٍ لا ينأون عن نهج ثورةِ 1979 ويحملون بالإضافة أفكارهم المميزة في الشأن الداخلي والدولي مما يعطيهم مصداقيةً في هذين الفضائينِ. يأتينا وجهٌ جديدٌ رئيساً كل فترةٍ انتخابيةٍ وهو يدحضُ إلى مدىً بعيدٍ النقدَ الموجه لإيران بأنها دولةٌ خانقةٌ للمشاركة السياسية و يُشيرُ لممارسات الترشيح والانتخابات في دول متعددة على أنها ليست أفضل أو مُنَزَّهةً عن إضافةِ صبغتها الديموقراطية، كلٌّ و شأنه. لا ينتخب المواطن الأمريكي رئيسهُ مباشرةً لكن عبر تكتُلٍّ انتخابي نسبي بين الولايات فمن يحظى بالنسبة الأعلى في هذا التكتل يصبح رئيساً حتى و لو فاز بأغلبية أصواتٍ مباشرة من الناخبين! نظامٌ فيه تعقيد أُنشِأَ ليحفظ مكانة الولاية.
في روسيا انتخاباتٌ في السنوات الأخيرة ناتجها ڤلاديمير پوتين. في الصين مجلس شعب ولجنةٌ مركزيةٌ و منها يبرز القائد وينسحبُ أو يُسحبُ كما رأينا كل منافسٍ ومُعارض. وهكذا دواليك. في إيران فرزٌ للمرشحين قبل إقرارِ القائمة فيبقى المناسب ويُستثنى غيره بحسبِ الظروف ومتطلباتها. في كل الانتخابات مالٌ ونفوذٌ تُمليها مصالحٌ ليست كلها وطنيةً مِثاليةً. هي تعكس مطالب فئاتٍ قويةٍ ليس من بينها في أحيان كثيرة رغبةَ الشعب. وإن انتصرَ ممثل الشعب فالأغلب أنه سيواجه مصاعب في إدارة حكمه أمام تلك الفئات القوية التي ستحاول تطويعه أو كسرهِ بالسياسة والعنف أيهما يأتي به أولاً. انتخاباتُ دولَ في أمريكا الجنوبية مثالٌ وافرٌ، و في أوطاننا كذلك. والدكتور بزشكيان طالب بالإصلاح فانتخبه الشعب فهي إذاً رغبة الشعب لكن بعد تظهيرهِ مرشحَ رئاسة من سلطةٍ أعلى.
الدكتاتور و الديمقراطي يناديان بالإصلاح وتتقاسم الممارسات الدكتاتورية والديمقراطية هذا المسرح السياسي الذي يتسم بالتسلط على الوجهين. ويبدو أنه في دول الديمقراطيات يُسمحُ بالتصرف السلطوي لحدودٍ معينة ثم تنقلب الأمور لتظهر قوةً (ديمقراطيةً) تُزيح المتسلط الذي أتى بالانتخاب ثم تسلطَ. دونالد ترمپ على سبيل المثال في سعيهِ للبقاء. و لا نستثني رجب طيب أردوغان الذي يبقى منتخباً بسلطاتٍ لم تقبل بعضها المحكمة الدستورية وعاقبها الناخب على مستوى انتخاب البلديات مؤخراً. و جوزيف بايدن في سنوات جَدْبِ إدراكهِ يتمنعُ عن الانسحاب من الانتخابات رغماً عن نداءاتٍ من حزبهِ و الكل داخل بيته وبلده وخارجها يعلم أن استمراره يمنح الجمهوريين هديةً مجانيةً لكنه رئيسٌ متسلط، وسليطٌ. ديمقراطياتٌ تُنشِئُ زعاماتً قويةً، و العكس صحيح، و تُنشئُ الزعامات كذلك تسلطاً باسم الفرد والشعب و العقيدة. إلى حينٍ، ثم تنحسر بفعل العمر أو التصرف الفادح والسياسة الخاطئة ونعني بالأخيرة السياسة الداخلية لا الخارجية، لأن البطالة ورفع الأسعار والفساد من مقومات سقوط الزعامات. ونستون تشيرتشل قاد بلاده للنصر ضد النازية لكن الناخبين أقصوه لأن الوقت ما بعد الحرب لم يكن يحتاج محارباً بل بانياً و هو لم يكن ذلك.
وإيران ليست إلا جزءً من هذا العالم. في أَوجِ تحليلهِ واستشرافهِ للعالم العربي سَمَّى تقرير التنمية البشرية الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ظاهرةً في دولنا أنها “جُملكيات” في مزجٍ بين الجمهورية والملكية وصفاً لتحول الجمهوريات لما يُشبهُ الملكية في طول وتوارث السلطة. وتكاد إيران أن تكون جملكيةً بمرونةٍ لكنها مرونةٌ محسوبةٌ لا تسمح لسلطة الرئيس أن تتجاوز سلطة الإرشاد. إيران لا تختلف في وجود مراكز القوة التي تعملُ كسقفٍ فولاذيٍّ هو العقيدة الخمينية لكنه يراعي ظروف الداخل والخارج فيرتفع ليعطي حريةً محكومةً أو ينخفض ليمنعها. ولهذا فإن مفهوم “الإصلاحي” الذي توسم به الدكتور منصور بزشكيان يحتاج لتفسيرٍ، فهو الإصلاح لماذا؟ أو لِمَنْ؟
هذا ما ستكشفه الأيام. فهل يحظى المجتمع بمكوناتهِ بأنواع من الحرية لم يعهدها؟ قد يحاول الرئيس إحداثَ تغييرٍ لكي يبرهن صدق توجهه الإصلاحي لكنه سيواجه ما قد يخفف من التغيير لما لا يشبه نواياه أو يُرضي المجتمع. أغلب الظن أنه سيوازن بين الإصلاح و الالتزام الثوري والإرشادي العقيدي في الداخل المهم و الخارج المحاط بالنوايا التآمرية ضد بلاده. لكن فتيل الانفجار يبقى حاضراً في الداخل المؤازر للإصلاح والمعارض له وفي التآمرِ الخارجي الذي قد يتحول لحربٍ أو يستمر مهدداً مستنزفاً. وقد لا يجد الرئيس بدّاً من استمرار تعاونه الوثيق مع روسيا والصين بينما قد تكون رغبته الإصلاحية تجذبه لإصلاحِ ذات البين مع الغرب الذي يفرض الحصار و يُبقي العداء. لكن مع تولي ترمپ الرئاسة فإن الدكتور بزشكيان لن يكون في موقع الإصلاح مع الغرب. الخلاصة أن إيران الإصلاحية قد لا تختلف عن إيران المحافظة. سيد الموقف هو البقاء و النمو الذي يعقلهُ الإرشاد الذي سيضع الإصلاح ووعوده في درجةٍ أدنى في سبيلِ تحقيق طموح أن تكون إيران دولةً عُظمى ذات تأثيرٍ دوليٍّ واضحٍ. والأيام كفيلةٌ بإعلامنا.
أن تكون سلطوياً و إصلاحياً لكي تبقى وتنمو كان دوماً الموقف المُحَيِّرَ للقادة. اليوم تُمارسُ ديمقراطية الانتخاب للقادة الذين سرعان ما يعدلون الدستور ليتحولوا لسلطويين بالديمقراطية لكي يُصلحوا! لم نَرَ في إيران رئيساً يمثل هذا النموذج فكلهم لم يُعَمِّر و تغير بالانتخاب أو الوفاة لكن مع بقاء عنصر الثبات الإرشادي غير متغيرٍ ومتدخلاً فالأمر في إيران كأنه سِيِّان مع العالم بين نماذج قائدٍ مُتسلطٍ و منتخباً تحول متسلطاً بتغيير الدستور و منتخباً من فوقه مُتسلط. التسلط قاعدة حكمٍ في إيران وغيرها. و يبقى مقياس الإصلاح للشعب أن لا يخاف إن انتقدَ و عارضَ و أن لا يلعن لشقاء الحياة من يحكمه باسم الإصلاح و السلطوية وأن يعيش كريماً في دولةٍ عادلةٍ. فيا لها من رغباتٍ طبيعيةٍ لا تستطيع الأغلبية أن تتمتع بها لا في إيران ولا عندنا حتى ولو انتخبت إصلاحياً.
علي الزعتري

