Skip to content
عبد الباري عطوان
بعد هدوء غبار عملية التغيير في قمة النظام في سورية جزئيا، وتولي قوات المعارضة “الأصولية” المدعومة أمريكيا وتركيا السلطة فيها، فإن الأنظار تتجه حاليا ليس على كيفية ترتيب البيت السوري من الداخل فقط، وانما على الخطط المستقبلية لكل من ايران وروسيا الدولتين اللتين ممكن تصنيفهما بأنهما الأكثر خسارة استراتيجيا وإقليميا من جراء هذا التغيير المفاجئ والصادم لهما وللكثيرين في المنطقة وخارجها.
فإذا كانت روسيا قد ضمنت التوصل الى ترتيبات تُبقي، ولو مؤقتا، قاعدتها الجوية في حميميم، والبحرية في طرطوس، من خلال التفاهم مع النظام الجديد، فإن الوجود السياسي والعسكري الإيراني في سورية قد انتهيا كليا، واحتمالات الصدام بين الجانبين على الأراضي السورية باتت كبيرة جدا، وأسرع مما يتوقعه الكثيرون، ونحن من بينهم، فالقيادة الإيرانية توصلت الى قناعة بأن سياسة “المهادنة” التي حاولت اتباعها في التعاطي مع النظام الجديد في دمشق أعطت نتائج عكسية سلبية، لأن الورقة الأقوى في يد حكام دمشق الجدد هي فك الارتباط نهائيا مع طهران، بل والوقوف بقوة في الخندق المعادي لها، سواء الخندق الأمريكي الأوروبي، او الخندق الإقليمي العربي ومعظم دول الخليج تحديدا.
هناك اربعة تطورات يمكن رصدها في الساحة السياسية الإيرانية يمكن وصفها بأنها فريدة من نوعها، ويمكن ان ترسم صورة لسياسة إيرانية جديدة ومختلفة:
- الأول: اعتراف إيراني صريح بالخسارة في سورية من جراء سقوط نظام الأسد، والتخلي بالتالي عن كل محاولات “المكابرة”، وانعكس هذا الاعتراف غير المسبوق بشكل واضح في الكلمة التي القاها الجنرال بهروز اثباتي أحد قادة الحرس الثوري الإيراني في أحد مساجد طهران يوم امس الثلاثاء، وأبرز ما جاء فيها:
أـ قوله لقد تكبدنا كإيرانيين خسارة كبرى في سورية على الصعد كافة.
ب ـ تأكيده ان الفساد في البنية الرئيسة للنظام السوري الذي أدى بطريقة او بأخرى الى الانهيار الاقتصادي الداخلي كانا سببا في انهيار نظام الأسد.
ج ـ إشارته الى ان الشعب السوري، وليس قوى المعارضة فقط، انتفض لإزالة نظام فاسد في دمشق.
- الثاني: تصاعد التحركات السرية في غرف الغرب السوداء المغلقة، خاصة في كل من واشنطن ولندن، والتنسيق مع بعض العواصم العربية، لتفجير موجة جديدة من الاحتجاجات الشعبية في طهران والمدن الإيرانية الأخرى لتكرار السيناريو السوري والاطاحة بالنظام الإسلامي، والإتيان بنظام إيراني جديد غربي اسرائيلي التوجه، وهذا ما يفسر تصاعد حراك الشاه الابن، وحضوره اللافت، والمكثف، على شاشات التلفزة الغربية والإسرائيلية هذه الأيام.
- الثالث: صعود دور تركيا “السنية” العدو التاريخي “الكامن” لإيران بالسيطرة على دمشق من خلال الحلفاء السوريين، وإحياء الإرث الاموي، وتوظيف الإسلام السياسي المسلح لخدمة هذا التوجه “الطائفي” التركي القديم المتجدد.
- الرابع: تعميق الازمة المعيشية في ايران من قبل الغرب، والتركيز على تفاقم الازمة الاقتصادية لإنهاك الشعب الإيراني وزيادة معاناته، وتصعيد غضبه، تماما مثلما حدث في العراق وسورية، وبدرجة أقل مصر، فالشعب الإيراني يعاني بشدة بسبب الحصار من غلاء المعيشة، وسوء الخدمات العامة، وانقطاع الكهرباء، وانخفاض سعر العملة المحلية (الريال) الى مستويات قياسية امام الدولار، ووصول نسبة التضخم الى أكثر من 30 بالمئة، والسؤال المطروح حاليا في الصحافة الغربية المتواطئة مع مخطط تقويض ايران من الداخل هو: الى أي مدى يمكن للناس ان يتحملوا هذه الأوضاع المتردية؟
نفوذ ايران وهيبتها في المنطقة يتراجعان بشكل متسارع هذه الأيام بسبب صدمتي خسارة سورية، ومحاصرة وإضعاف مكانة وقدرات “حزب الله” حليفها الاستراتيجي في لبنان والمنطقة بسبب حرب الإبادة وما ترتب عليها من اتفاق وقف اطلاق النار الذي وظفته إسرائيل بسرعة بالتعاون مع أمريكا وتركيا لإسقاط النظام السوري السابق، وقطع جميع الامدادات العسكرية والمالية الإيرانية الى الحزب في لبنان، ولعل عملية التفتيش المهينة التي جرت للدبلوماسيين والمسافرين الإيرانيين في مطار بيروت قبل أسبوع هو الدليل الأبرز على تآكل هذه الهيبة الإيرانية، ولحزب الله أيضا.
ان نقول كل ما تقدم لا يعني ان ايران باتت لقمة سائغة سهلة الهضم بالنسبة لإسرائيل وامريكا ورئيسها القادم دونالد ترامب الذي لم يخف يوما عداءه لها، ورغبته في تدميرها، وطموحاتها النووية، فإيران ما زالت قوة إقليمية عظمى تملك القدرات البشرية والعسكرية الذاتية المتطورة جدا على الصعد كافة، واعتراف الجنرال اتباتي بالخسارة في سورية، وربما لبنان، أيضا قد يكون بداية الصحوة، وتصحيح المسيرة والأخطاء التي أدت الى هذه الخسائر الإقليمية والدولية، وتضيق هذه المساحة على سردها.
القيادة الإيرانية الإسلامية قد تحاول، وبسرعة، تعويض هذه الخسائر بإعادة وجودها في سورية بأسرع وقت ممكن، ليس من خلال مهادنة النظام السوري الجديد غير ذات جدوى، وانما من خلال بـ “تقويضه” من الداخل في محاولة للإتيان بنظام سوري جديد مواليا او غير معاد لها للمجيء، سواء فدعم المقاومة المسلحة من خلال تفعيل المعارضة الداخلية، وتشكيل أذرع مقاومة جديدة على غرار نظيراتها في اليمن والعراق وغزة ولبنان، وهي تملك كنزا من الخبرات في هذا المضمار.
هناك ثلاثة مؤشرات قد تؤكد هذه الفرضية:
- الأول: حديث السيد علي خامنئي المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في ايران صاحب الكلمة العليا في البلاد “عن تغيير وشيك في سورية” وتأكيده ان الشباب السوري الشريف سيتحرك بسرعة لوضع حد لحالة الفوضى الحالية في البلاد.
- الثاني: تهديد لافت وحاد ورد على لسان السيد احمد بخشايش اردستباني عضو لجنة الامن القومي في البرلمان الإيراني للنظام الجديد في سورية من ان هناك 130 الفا من قوات وصفها بـ”المقاومة السورية” دربها الشهيد قاسم سليماني أصبحت جاهزة للمواجهات مع الحكام الجدد في سورية و”مستعدة للحرب في أي لحظة، وسيتزايد عددها قريبا”، وهذا يعني ان هذه القوات تنتظر الضوء الأخضر للتحرك.
- الثالث: حالة “البرود” المتصاعدة حاليا في العلاقات بين ايران وتركيا وبينها وبين الدول العربية والخليجية تحديدا التي لعبت دورا كبيرا، بالدعم المالي والعسكري والإعلامي للنظام الجديد في سورية، وهو برود قد يتطور الى مواجهات بأشكال متعددة، فايران الامس ذات النفس الطويل ليست ايران اليوم التي تقترب السكين الإسرائيلي من رقبتها.
بنيامين نتنياهو الذي يخطط منذ عدة عقود لغزو ايران، وتدمير منشآتها النووية، قد يجد في عودة حليفه الاستراتيجي دونالد ترامب الى البيت الابيض خلال عشرة أيام تقريبا فرصة له لتحقيق طموحاته هذه، خاصة ان حكومته تدعي انها قطعت، او اضعفت معظم أذرع “الاخطبوط” الإيراني في لبنان، والعراق، او قطاع غزة، والذراع الوحيد المتبقي هو ذراع “انصار الله” في اليمن، ولهذا ربما تكون خطوة نتنياهو القادمة ضرب رأس “الاخطبوط” في طهران، حسب تصريحات بعض المقربين منه، وهو يتفاخر بأن نبوءته في سورية التي قال فيها “ان الأسد يلعب في النار وسيدفع ثمنا غاليا”، تلميحا الى سقوطه قد تحققت، ويعتقد ان المشهد نفسه قد يتكرر في ايران عندما قال “ان ايران ستصبح حرة قريبا”.
ختاما نقول ان ايران ليست سورية او ليبيا، ولا نعتقد انها ستسلم بهزيمة محور المقاومة بهذه السهولة، فعمر إسرائيل 76 عاما، وعمر أمريكا أقل من 400 عام، اما عمر ايران فيزيد عن 10 آلاف عام حافلة بالصراعات الحروب والامبراطوريات، فقد صمدت امام حصار امتد 40 عاما، وتصدت لكل المؤامرات الامريكية الداخلية والخارجية بنجاح، وطورت صناعة عسكرية ترتقي معظم معاملها الى المستويات العالمية الكبرى خاصة في الصواريخ فرط صوت والمسيّرات والغواصات وربما رؤوسا نووية، ومثلما قال سيد الشهداء حسن نصر الله في أخر خطاباته، الحياة يوم لك ويوم عليك، فاذا كان خسارة سورية يوم لامريكا وتركيا وإسرائيل، فان الأيام القادمة ربما تكون لها ولمحور المقاومة.. والله يمهل ولا يهمل.. والأيام بيننا.