أخبار عربية ودولية

حراك أوروبي مكثّف لـ”إنقاذ” كييف: واشنطن وموسكو تستكملان مفاوضاتهما

كشف مسؤولون روس، في حديث إلى وسائل إعلام أخيراً، أنّ لقاء جديداً سيجمع بين دبلوماسيين روس وأميركيين نهاية الأسبوع الجاري، بعد اللقاء الأول بين وفدين برئاسة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، والأميركي ماركو روبيو، في الـ18 من شباط في الرياض. ويأتي ذلك فيما لا تزال الهوة التي برزت بقوة في الأسابيع الماضية، بين إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكييف، آخذة في التوسع، ولا سيما عقب الضغط الأميركي لإسقاط مشروع قرار أوكراني أمام “الأمم المتحدة” السبت، والذي يقابله القادة الأوروبيون بالتدافع لاستدراك واقع جديد، يطرح، بالنسبة إلى كثيرين منهم، “تحدياً وجودياً” لأمنهم.

وفي هذا السياق، تورد مجلة “وول ستريت جورنال” نقلاً عن دبلوماسيين أوروبيين، أنه حتى الأيام القليلة الماضية، كانت الولايات المتحدة تعمل مع أوروبا بشأن مسوّدة مشروع أوكراني سيُطرح بمناسبة الذكرى الثالثة لبدء الحرب، واكتفت بإحداث بعض التغييرات الطفيفة عليها، مشيرة إلى أنّه على الرغم من أنّ واشنطن لم تبدُ حريصة على الضغط من أجل تمرير القرار، إلا أنّه لم يصدر أي مؤشر منها إلى أنّها ستعارضه.

على أنّ الولايات المتحدة طلبت، الجمعة، من المسؤولين الأوكرانيين “سحب” المشروع، وقدّمت آخر بديلاً منه، لترفض كييف طلب واشنطن، ويطالب مسؤولون بريطانيون وفرنسيون، بدورهم، بإجراء “تعديلات” على مسوّدة القرار الأميركي، وهو ما رفضته الولايات المتحدة. وتشمل المسوّدة الأوكرانية القرارات التي تم تمريرها منذ عام 2022 حول الحرب، وتلقي بمسؤولية الأخيرة على روسيا، وتدعو إلى حل سلمي هذا العام يضمن انسحاباً روسياً من الأراضي الأوكرانية. أما المسوّدة الأميركية فلا تتضمّن أي إشارة حول الطرف الذي بدأ الحرب، أو تنازلات مطلوبة من جانب الكرملين، في أكبر مؤشر “دراماتيكي” إلى تصاعد “التوترات عبر الأطلسي” منذ سنوات، طبقاً للمصدر نفسه.

وفي خضمّ “التطنيش” الأميركي لكييف وحلفائها الأوروبيين، أفادت وكالة “تاس” الروسية بأنّ الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أبلغ نظيره الصيني، شي جين بينغ، في مكالمة هاتفية، بفحوى الاتصالات الجارية بين موسكو وواشنطن، فيما أعربت بكين عن “دعمها للحوار”. كما شدّد الطرفان على “الدور الذي تؤديه العلاقات الروسية – الصينية في تحقيق الاستقرار في الشؤون العالمية، والطابع الاستراتيجي الذي تكتسبه”، مؤكدين أن هذه العلاقات هي ذات “طابع استراتيجي”، ولا تخضع لنفوذ خارجي “وليست موجّهة ضد أحد”. كما بحث كل من بوتين وشي إمكانية حصول زيارات متبادلة في الذكرى الثمانين للانتصار على الفاشية، علماً أنّه بعد بدء الاتصالات مع الجانب الأميركي، أعلن بوتين نيته إبلاغ شركائه في “البريكس” عن الحوار، على أن تكون الصين على رأس الدول التي سيتم إطلاعها على معطياته.

من جهته، أكّد وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره التركي هاكان فيدان في أنقرة الأحد، أنّ الدول الأوروبية منعت أوكرانيا من التوقيع على اتفاق وقف إطلاق النار مع روسيا، مشيراً إلى أن موسكو أكّدت لترامب أن جرّ أوكرانيا إلى الانضمام إلى “حلف شمال الأطلسي” هو إجراء خاطئ، وأنّ “الحرب لم تكن لتندلع لو لم يتم جر أوكرانيا إلى هذا الخيار”. كما ذكّر لافروف بأنّ بلاده قدّمت، خلال المفاوضات التي سبقت الحرب، ضمانات أمنية لأوكرانيا مقابل عدم سعي الأخيرة للانضمام إلى “الناتو”، لكن كييف رفضت تلك الضمانات، مشدّداً على أنّ “احترام الحقائق على الأرض” والاتفاق على عدم انضمام أوكرانيا إلى الحلف، شرطان أساسيان لبدء أي مفاوضات مع كييف، وأنّ النتيجة النهائية يجب أن تكون “مرضية” لروسيا.

مساعٍ أوروبية

وفي ظل تراجع الدعم الأميركي لكييف، لا تزال المساعي الأوروبية لملء “الفراغ” المحتمل مستمرة؛ إذ نقلت صحيفة “بوليتيكو” الأميركية عن ثلاثة مسؤولين أوروبيين قولهم إنّ القادة الأوروبيين يعملون على حزمة مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بقيمة لا تقل عن 20 مليار يورو، فيما حجم المساعدات مرشح للارتفاع، علماً أنّه قبل إجراء مشاورات أوروبية، الأسبوع الماضي، كانت قيمة الحزمة مقدّرة بما بين 6 و10 مليارات يورو.

وفي بيان مشترك لوزراء خارجية السويد والدنمارك وإستونيا وفنلندا وأيسلندا ولاتفيا وليتوانيا والنرويج، شدّدت الدول المشار إليها على ضرورة “تقديم المزيد من الدعم العسكري فوراً، لدعم أوكرانيا وردع روسيا”. ومن جهتها، أعلنت الدنمارك أنها ستلتزم بتقديم 405 ملايين كرونة (54 مليون يورو) لدعم أوكرانيا في مجال المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار، ليصل إجمالي قيمة المساعدات الإنسانية التي قدّمتها الدنمارك لأوكرانيا منذ شباط 2022، إلى أكثر من مليار كرونة (134 مليون يورو).

إلى ذلك، أعلنت الحكومة البريطانية، أمس، فرض حزمة عقوبات تستهدف سلاسل التوريد العسكرية الروسية والإيرادات “التي تغذي حرب موسكو”، وعلى رأسها منتجو ومورّدو سلع للجيش الروسي في مجموعة من الدول الثالثة. وفي وقت سابق، كانت بريطانيا قد أعادت تأكيد موقفها المتمثل بإرسال قوات إلى أوكرانيا. ويأتي القرار البريطاني عقب فرض الاتحاد الأوروبي مجموعة سادسة عشرة من العقوبات على روسيا، في الذكرى الثالثة للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا، تستهدف 73 ناقلة نفط «شبح» جديدة و«أولئك الذين يدعمون تشغيل ناقلات نفط خطرة، وأجهزة التحكّم في ألعاب الفيديو المستخدمة في قيادة طائرات من دون طيار، والمصارف المستخدمة للتحايل على عقوباتنا وأجهزة الدعاية المستخدمة لنشر الأكاذيب».

يهدد أي انتصار روسي بخلق “ثقب” جيوسياسي أسود في أوروبا

وبالتوازي مع ذلك، وصلت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لايين، ورئيس المجلس الأوروبي، أنتونيو كوستا، ورئيس الوزراء الكندي، جاستن ترودو، إلى كييف صباح أمس، لحضور قمة تجمع 13 مسؤولاً يشاركون حضورياً، و24 آخرين عبر الفيديو. وقالت فون دير لايين، عبر منصة «أكس»، إنهم موجودون في كييف «لأن أوكرانيا هي أوروبا. في هذا الكفاح من أجل البقاء، ليس مصير أوكرانيا وحده ما هو على المحك، بل مصير أوروبا». وفي السادس من آذار القادم، ستُعقد قمة أوروبية خاصة، “في لحظة حاسمة لأمن أوكرانيا وأوروبا”، على حدّ تعبير مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس.

وتعقيباً على الشرخ الأميركي – الأوروبي المتعمّق، أوردت مجلة “فورين أفيرز” الأميركية تقريراً جاء فيه أنّه حتى في الوقت الذي يُنظر فيه إلى المصالح الوطنية الأميركية من منظور «أميركا أولاً»، فإن للولايات المتحدة مصالح أساسية مرتبطة بمنع روسيا من الفوز في أوكرانيا وضمان “حرية” الأخيرة “وسيادتها”. ويستند أصحاب هذا الرأي إلى واقع أنّه منذ بدء الحرب، عمّقت روسيا بشكل كبير تعاونها مع الصين وكوريا الشمالية وإيران، وتلقّت مساعدة حاسمة من كل من تلك الدول، فيما قدّم الكرملين، من جهته، مساعدة عسكرية وتكنولوجية غير مسبوقة لها، مشيرين إلى أنّ هذا التعاون مستمر، ويشكل تهديداً حقيقياً لمصالح الولايات المتحدة.

وطبقاً للمصدر نفسه، في حال انتصرت روسيا في أوكرانيا، فسيكون ذلك انتصاراً أيضاً لكل من شركائها الثلاثة، كما سيتعمق التوافق بين منافسي واشنطن وخصومها، في وقت يبدو فيه أي اتفاق سلام قادر على “دقّ إسفين” بين روسيا والصين اللتين تجمعهما روابط قوية للغاية، مستبعداً. ومن جهتها، ستأخذ الصين “العبر من النصر الروسي”، بما في ذلك حول مدى استعداد واشنطن للبقاء مع حلفائها “في السراء والضراء”.

كذلك، فإنّ مصلحة الولايات المتحدة تقتضي بأن تكون أوروبا مستقرة وسلمية، باعتبارها أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي في الولايات المتحدة وأكبر سوق للتصدير، وحليفاً رئيسياً يتفق على نطاق واسع مع الولايات المتحدة بشأن القضايا المركزية في السياسة العالمية. ويردف التقرير أنّه إذا سارت المفاوضات بشكل خاطئ وأسفرت عن انتصار روسي، فإنها ستخلق “ثقباً جيوسياسياً أسودَ في أوروبا”، وهو لن يكون معزولاً عن “بقية العالم”؛ بل قد يتسبب بزرع بذور لصراعات مستقبلية قد تصل إلى أبعد من أوكرانيا، وتؤدي إلى إضعاف الدول الموالية لأميركا في أوروبا، فضلاً عن أنها قد تمنح روسيا الفرصة للبروز كقوة عالمية بطريقة تضر بالمصالح الأميركية، بما في ذلك في الشرق الأوسط وأفريقيا، والمحيطين الهندي والهادئ.

ريم هاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *