مقالات

نقط التلاقي بين حربي أوكرانيا وإيران: التضخيم العسكري والتنازلات في دونباس وهرمز

لندن ـ «القدس العربي»:

خلال الحرب الروسية ضد أوكرانيا، جرى إقناع العالم أن تزويد الغرب للجيش الأوكراني بأسلحة غربية متطورة تعمل على تغيير مسار المواجهة العسكرية، وتبين لاحقا سراب هذه الأطروحة. ويبدو أن هذا السيناريو يتكرر مع ما يجري في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران بشأن قرارات عسكرية لاسيما في ظل الحديث عن إنزال قوات المارينز وقوات النخبة من المظليين. يحدث هذا في وقت لم تنجح أي سفينة عسكرية أمريكية في عبور الخليج منذ اندلاع النزاع، ما يؤكد التطورات والتغييرات الواقعة في عالم الحروب.
ويوجد اختلاف بين الحربين، ذلك أن الحرب الروسية-الأوكرانية تبقى كلاسيكية بسبب استعمال الدبابات والمدفعية والمواجهة المباشرة بين الجنود علاوة على المقاتلات، والجديد فيها هو استعمال صواريخ جديدة فرط صوتية والمسيرات. في حين تبقى الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران أول حرب حقيقية عن بعد بسبب الاقتصار على المقاتلات في مواجهة الصواريخ والمسيرات الإيرانية، فهي حرب جوية بامتياز، ومكملة لحرب حزيران/يونيو الماضي التي كانت جوية ودامت فقط 12 يوما وليس بكثافة الحرب الحالية. إلا أن الحربين يلتقيان في قيام الإعلام الغربي وجزء منه عربي بتضخيم السلاح الغربي والقرارات العسكرية وسوء التقييم.
وحتى الأشهر الأخيرة، دأبت وسائل الإعلام الغربية، إلى جانب عدد من الخبراء، على الترويج لكل سلاح جديد يتم تزويد أوكرانيا به باعتباره «سلاح الحسم» في مواجهة روسيا، التي بدأت غزو المناطق الشرقية الأوكرانية في شباط/فبراير 2022. وتجلى هذا في التعاطي الإعلامي والسياسي مع عدة أنواع من الأسلحة، في مقدمتها أنظمة الدفاع الجوي الأمريكية «باتريوت»، ثم صواريخ «هيمارس»، ولاحقًا الصواريخ البريطانية «ستورم شادو»، إضافة إلى مقاتلات «إف-16»، وأخيرًا الصواريخ الألمانية «تاوروس» التي لم يتم تسليمها حتى الآن. غير أن الواقع الميداني أظهر عدم تحقيق الجيش الأوكراني نتائج حاسمة تُذكر ولم تغير هذه الأسلحة من الواقع الميداني للحرب. بل إن كييف باتت، في ظل تطورات النزاع، أكثر استعدادًا للنظر في خيارات تتضمن التخلي عن بعض مناطق شرق أوكرانيا مقابل التوصل إلى اتفاق سلام.
يتكرر هذا السيناريو في سياق الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، حيث يتحول كل إعلان عسكري قبل أن يكون قرارًا مبررًا إلى مناسبة للحديث عن تحولات كبرى يُتوقع أن تشهدها هذه الحرب في الأيام المقبلة. في هذا الإطار، أعلن البنتاغون عن حزمة من الإجراءات العسكرية، بعضها ظل غامضًا واكتُفي بالتلميح إليه بدون توضيح مباشر. ومن أبرز هذه الإجراءات سحب حاملة الطائرات «أبراهام لنكولن» إلى مسافة تتجاوز 1500 كيلومتر عن السواحل الإيرانية، في خطوة تعكس بوضوح حجم القلق من القدرات الصاروخية الإيرانية، خاصة بعد إعلان الجيش الإيراني استهدافه لهذه القطعة البحرية الضخمة بل واستهداف حتى سفن الدعم كما وقع فجر السبت من الأسبوع الجاري ضد سفينة كانت جنوب مياه بحر العرب.
وقد تزامن هذا التحرك مع تقارير عن نجاح إيران في استهداف بعض أنظمة الرادار المتطورة التابعة للجيش الأمريكي في قواعد عسكرية بدول الخليج العربي. كما أُعلن عن سحب أكبر حاملة طائرات في العالم، «جيرالد فورد»، من البحر الأحمر إلى قاعدة عسكرية في اليونان لإجراء أعمال إصلاح وصيانة، عقب اندلاع حريق في أحد أقسامها، رغم استمرار الشكوك حول أسبابه الحقيقية. وفسر بعض المحللين أن هذا الانسحاب مرده أن الحرب انتهت ولم يعد للإيرانيين من قدرات عسكرية بعد القصف الأمريكي-الإسرائيلي، مستشهدين بتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه تم سحق القوة العسكرية الإيرانية، غير أن الحرب تستمر.
وشكل الإعلان عن إرسال 2200 من قوات المارينز على متن السفينة الحربية طرابلس وسفينتين أخريتين مرافقتين لها بأن الأمر يتعلق أساسا بالتدخل لفتح مضيق هرمز. كما جرى اعتبار إرسال ألفا من المظليين إلى الشرق الأوسط يدخل في الهدف نفسه. غير أن معطيات التاريخ العسكري القريب، وهي حرب العراق، تظهر أن 70 ألفا من قوات المارينز نزلت جنوب العراق رفقة 70 ألفا أخرى من القوات الكلاسيكية، بينما كان العراق بلدا منهكا عسكريا عكس إيران. والتساؤل العريض الذي يحضر هنا: كيف ستنزل قوات المارينز لفتح مضيق هرمز في وقت لا تستطيع أن تمر منه ولو سفينة عسكرية أمريكية واحدة؟ لا يمكن لأي دولة خليجية أن توافق على استقبال قوات المارينز لتنطلق من أراضيها، لأن ذلك سيجعلها عرضة مباشرة لردّ إيراني قد يتجسد في قصف مكثف بمئات الصواريخ والطائرات المسيّرة. ونشرت جريدة «نيويورك تايمز» الثلاثاء من الأسبوع الجاري أن القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج أصبحت شبه فارغة بسبب القصف الإيراني. وحول صعوبة العمليات، تنشر جريدة الجيش الأمريكي «ستارس أند ستريبس» الجمعة أنه «يقدّر المحللون أن إرسال قوات برية إلى إيران أو محاولة فتح مضيق هرمز بالقوة سيكون أمراً صعبا، وقد يؤدي إلى إطالة أمد الحرب وجعلها أكثر دموية».
ولم يكشف البنتاغون عن طبيعة المهام الموكلة إلى قوات المظليين، غير أن فرضية إنزالهم في مضيق هرمز تبدو غير واقعية. فعمليات الإنزال الجوي تتطلب التحليق على ارتفاعات منخفضة—لا تتجاوز عادة 300 متر—ما يجعل الطائرات عرضة بشكل كبير لأنظمة الدفاع الجوي بل حتى الرشاشات. إضافة إلى ذلك، فإن انتشار المظليين على الأرض سيضعهم في بيئة شديدة الخطورة، حيث سيكونون مكشوفين لعمليات القنص والاستهداف من قبل وحدات الكوماندوس الإيرانية المنتشرة في مناطق متعددة، الأمر الذي يزيد من تعقيد أي عملية من هذا النوع ويقلل من فرص نجاحها.
ووسط كل هذا، تكشف التجربة الأخيرة للحوثيين في اعتراض سفن الشحن البحري في باب المندب أن اعتراض السفن في مضيق هرمز صعب بشكل مضاعف مرات عديدة. فقد فشلت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عبر بعثتين عسكريتين وهما «حارس الرفاهية» و«أسبيديس» في مواجهة الحوثيين واضطر البنتاغون إلى التفاهم معهم، فكيف سيكون الأمر في حالة القوات الإيرانية وخاصة أن مضيق هرمز في متناول حتى البنادق الإيرانية وليس فقط الصواريخ والمسيرات بسبب صغر المضيق؟
إن الحرب الأمريكية-الإسرائيلية تبرز تكرار سيناريو التضخيم العسكري رغم الفشل الواضح من طرف القوات الأمريكية والإسرائيلية في حسم الحرب. وتأتي هذه الحرب لتضفي المصداقية على قرارات الرؤساء الأمريكيين السابقين والقيادات العسكرية التي كانت بجانبهم والتي ارتأت تجنب الحرب مع إيران. وعلى رأس هؤلاء، الجنرال ويليام فالون القائد السابق للقيادة الوسطى الذي منذ عهد الرئيس جورج بوش الإبن وهو ينصح بتفادي الحرب مع إيران.
تلتقي حرب أوكرانيا مع حرب إيران في قصور أو فشل التقييم الحقيقي للقدرات العسكرية للطرف الآخر في هذه الحالة روسيا وإيران.
ويصبح كل إجراء عسكري أكان انتشارا للمارينز مثل حالة الولايات المتحدة ضد إيران أو أرسال سلاح مثل منظومة باتريوت في حالة أوكرانيا لمواجهة الطيران والصواريخ الروسية بمثابة الحسم النهائي للحرب. وهكذا، تقف الحرب الأوكرانية عند نقطة تنازل كييف عن الأقاليم الشرقية لصالح روسيا، وتقف الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران عند التنازل المرتقب لواشنطن عبر وصفة الإعلان عن الانتصار مقابل فتح مضيق هرمز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *