مقالات

ناشونال إنتريست: ماذا تعني حرب إيران بالنسبة للانتشار النووي؟

واشنطن: يرى المحلل السياسي ستيفن سيمبالا أن حرب إيران أصبحت لحظة فارقة بالنسبة للأمن العالمي. وفي الوقت الذي تعتبر فيه العواقب الإنسانية والجيوسياسية الفورية عميقة، فإن آثار الصراع الأعمق وعلى المدى الأبعد ربما يتم الشعور بها بشكل أكثر حدة في مجال الحد من الأسلحة النووية ومنع انتشارها.

وقال سيمبالا، وهو أستاذ في العلوم السياسية بجامعة ولاية بنسلفانيا برانديواين، ومؤلف للعديد من الكتب والمقالات في دراسات الأمن الدولي، والسياسة الدفاعية، والأسلحة النووية والحد من التسلح، والاستخبارات، إنه على مدار عقود، سعى النظام العالمي لمنع الانتشار، الذي أرسته معاهدة منع الانتشار النووي ووكالة الطاقة الذرية ومجموعة من الاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف، للحد من انتشار الأسلحة النووية وخفض مخاطر اندلاع صراع نووي.

وأضاف سيمبالا، الحاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة ويسكونسن ماديسون، في تقرير نشرته مجلة ناشونال إنتريست الأمريكية، أن الحرب قد كشفت نقاط الضعف الهيكلية في هذا النظام، وتحدت افتراضات قائمة منذ فترة طويلة عن الردع والدبلوماسية، وسرعت وتيرة ضغوط الانتشار في واحدة من مناطق العالم الأكثر حساسية من الناحية الاستراتيجية.

كان البرنامج النووي الإيراني محور دبلوماسية دولية على مدى أكثر من عقدين. وكانت خطة العمل الشاملة المشتركة، التي تم التوقيع عليها في عام 2015، تمثل إنجازا تاريخيا يثبت أن مفاوضات مستمرة يمكن أن تقيد الأنشطة النووية

وكان البرنامج النووي الإيراني محور دبلوماسية دولية على مدى أكثر من عقدين. وكانت خطة العمل الشاملة المشتركة، التي تم التوقيع عليها في عام 2015، تمثل إنجازا تاريخيا يثبت أن مفاوضات مستمرة يمكن أن تقيد الأنشطة النووية من خلال التحقق والحوافز.

غير أن انهيار الاتفاق في عام 2018 أضعف مصداقية الاتفاقيات الدبلوماسية، وكان بمثابة إشارة إلى الدول في جميع أنحاء العالم مفادها أن الاتفاقيات النووية ربما تكون عرضة للتأثر بالتغيرات السياسية.

وعمق اندلاع الحرب هذا الشك. وربما تستخلص الدول التي تراقب الصراع أنه حتى عندما تذعن للاتفاقيات، فإن جهات فاعلة خارجية ربما لا تزال تلجأ إلى قوة عسكرية قسرية.

وعلى العكس، ربما ينتاب دول تفكر في مفاوضات مستقبلية مخاوف بأن التنازلات التي يتم تقديمها اليوم يمكن أن تصبح عديمة المعنى بسبب إعادة تشكيل التحالفات الجيوسياسية في المستقبل. ويقوض تآكل الثقة الأدوات الدبلوماسية التي كانت تشكل العمود الفقري لجهود منع الانتشار.

وربما تجعل الحرب إحياء اتفاقيات أو إعادة التفاوض بشأن اتفاقيات مع إيران أو دول أخرى أمرا أكثر صعوبة، فقد تم استنزاف الرصيد الدبلوماسي وتفاقمت المخاطر السياسية المرتبطة بالتسوية.

وبدون مسارات موثوقة للتفاوض، ربما تلجأ الدول على نحو متزايد إلى الاستراتيجيات أحادية الجانب، سواء تسريع وتيرة البرامج النووية أو الاعتماد بشكل أكثر كثافة على الردع.

ويعد الشرق الأوسط منذ فترة طويلة منطقة لديها إمكانيات نووية كامنة. وتملك دول عديدة بنى تحتية نووية مدنية متقدمة، وأعربت دول كثيرة عن اهتمام بتطوير قدرات دورة الوقود النووي. وكثفت الحرب في إيران هذه الديناميكيات من خلال إبراز التصورات بشأن التعرض للهجوم والتدمير.

وربما تفسر دول مثل السعودية وتركيا ومصر الصراع على أنه دليل على أنه لا يمكن الاعتماد على الضمانات الأمنية الإقليمية. وكنتيجة لذلك، فإنها ربما تسعى إلى تبني استراتيجيات تحوط نووية، تتمثل في تطوير برامج مدنية من شأنها أن تقصر المدة الزمنية لتطوير محتمل لأسلحة نووية، بدون أن تنتهك على نحو صريح معاهدة منع الانتشار.

ويمكن أن يؤدي سلوك التحوط هذا إلى سلسلة من الانتشار النووي، بحيث تدفع إجراءات كل دولة الدول الأخرى إلى أن تحذو حذوها.

وإذا بدأت عدة دول في المنطقة السعي لقوة نووية كامنة أو تطوير قدرات لتصنيع أسلحة نووية، فإن الشرق الأوسط يمكن أن يصبح المنطقة النووية الأكثر خطورة في العالم. وسوف يؤدي مثل هذا التطور إلى تقييد معاهدة منع الانتشار، ويمثل تحديا لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ويزيد احتمال سوء الحسابات أو التصعيد.

وتندلع حرب إيران وسط منافسة تتصاعد بين الولايات المتحدة والصين وروسيا، التي لديها مصالح استراتيجية متميزة في الشرق الأوسط، وتستخدم على نحو متزايد الدبلوماسية النووية كأداة لفرض النفوذ. وتتسبب المنافسة بين هذه الدول في تعقيد الجهود الرامية لبناء إجماع بشأن قضايا منع الانتشار النووي.

وقد أضعفت الانقسامات بين القوى العظمى بالفعل فعالية المؤسسات مثل مجلس الأمن الدولي. فعندما لا يمكن أن تتفق القوى الكبرى على إجراءات الإنفاذ والعقوبات أو الاستراتيجيات الدبلوماسية، فإن مصداقية نظام منع الانتشار تتأثر.

عندما لا تتفق القوى الكبرى على إجراءات الإنفاذ والعقوبات أو الاستراتيجيات الدبلوماسية، فإن مصداقية نظام منع الانتشار تتأثر

وأدت الحرب إلى زيادة هذه الانقسامات، ما جعل تقديم حلول منسقة أكثر صعوبة. وفي الوقت الذي تتزايد فيه المنافسة بين القوى العظمى، ربما تضعف المعايير القائمة منذ فترة طويلة، مثل حظر الانتشار النووي.

وتؤدي أي حرب إلى نشوء ظروف تقوض قدرة الوكالة الدولية للطاقة الذرية وهيئات أخرى على مراقبة الأنشطة النووية. وربما يفقد المفتشون حرية الوصول إلى المنشآت، وربما يتم حجب صور الأقمار الاصطناعية بسبب الصراع، وربما يصبح تتبع سلاسل الإمداد أمرا أكثر صعوبة.

وتعد مناطق الصراعات أرضا خصبة للشبكات غير القانونية التي تسعى للحصول على مواد نووية. ويزيد انهيار سلطة الدولة من خطر إمكانية تحويل التكنولوجيات أو المواد الحساسة وسرقتها وبيعها في السوق السوداء.

وتعتمد نظم العقوبات على ظروف سياسية مستقرة وتعاون دولي. وخلال الحرب، أصبح إنفاذ العقوبات أكثر صعوبة، وربما تعطي الدول الأولوية للأهداف العسكرية على حساب الإذعان للالتزامات الدولية.

وأدت الصراعات الكبرى أحيانا إلى تحقيق اختراقات في الحد من التسلح. وتمخضت أزمة الصواريخ الكوبية عن معاهدة حظر التجارب النووية، وكذلك أدت الحرب الباردة إلى معاهدات الحد من الأسلحة الاستراتيجية.

وربما تؤدي الحرب في إيران بالمثل إلى إعادة تقييم أطر العمل القائمة. ويمكن أن يدفع الصراع دولا إلى استكشاف هياكل أمنية إقليمية جديدة، مثل منطقة شرق أوسط خالية من الأسلحة النووية أو تعزيز إجراءات الشفافية. وبينما تواجه تحديات على الصعيد السياسي، فإن مثل هذه المبادرات يمكن أن تقلص ضغوط الانتشار.

ويمكن أن تعزز تكنولوجيات ناشئة، مثل الاستشعار عن بعد، والمراقبة بمساعدة الذكاء الاصطناعي، وتتبع المواد النووية باستخدام تقنية سلسلة الكتل، نظم التحقق. وربما تؤدي الحرب إلى تسريع وتيرة الاستثمار في تلك الوسائل، في الوقت الذي تسعى فيه الدول إلى الحصول على آليات مراقبة أكثر مرونة.

ووضعت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطا أحمر فيما يتعلق ببرنامج إيران الخاص بالأسلحة النووية. وعلى نطاق أوسع، دفعت الحرب في إيران النظام العالمي بشأن منع الانتشار النووي إلى مفترق طرق.

ويؤدي مسار صوب التشرذم: إضعاف المعايير، وسباقات تسلح إقليمية، وتضاؤل الثقة في الدبلوماسية. ويقدم المسار الآخر، رغم أنه أكثر صعوبة، احتمال إعادة تصور وتقييم يتضمن اتفاقيات جديدة، ووسائل تحقق محدثة، والتزاما متجددا بالأمن التعاوني.

وسوف يعتمد المسار الذي سوف يتبعه المجتمع الدولي في نهاية المطاف على استعداد الدول لاستخلاص الدروس من الصراع، وإدراك أن الاستقرار النووي لا يمكن أخذه كأمر مسلم به.

واختتم سيمبالا تقريره بالقول إن المخاطر عالية، وسوف تشكل الخيارات التي سيتم اتخاذها في السنوات المقبلة مستقبل الأمن العالمي لعقود قادمة.

القدس العؤبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *