مقالات

شبح أزمة السويس يلوح في هرمز.. مغامرة ترامب العسكرية في إيران قد تُسرّع أفول “الإمبراطورية الأمريكية”

يرى المؤرخ الأمريكي ألفريد دبليو ماكوي، أستاذ التاريخ في جامعة ويسكونسن-ماديسون، أن الحرب التي يخوضها الرئيس دونالد ترامب ضد إيران تمثل نموذجًا كلاسيكيًا لما يُعرف بـ“العسكرة المصغّرة”؛ وهي مغامرات عسكرية تلجأ إليها الإمبراطوريات في مراحل تراجعها في محاولة لاستعادة هيبتها، لكنها غالبًا ما تُسرّع انهيارها بدلًا من إنقاذها.

ويشير ماكوي—وهو مؤلف كتاب “في ظلال القرن الأمريكي: صعود وتراجع القوة العالمية للولايات المتحدة”— إلى أن التاريخ يقدّم أمثلة متكررة على هذا النمط. فالقوى الإمبراطورية حين تبدأ بالانحدار تميل إلى شنّ ضربات عسكرية استعراضية لتعويض فقدان النفوذ، لكنها تنتهي بكوارث سياسية واقتصادية تكشف ضعفها وتعمّق أزماتها.

ماكوي: حرب ترامب ضد إيران قد تتحول إلى واحدة من تلك المغامرات الفاشلة التي أسهمت في إسقاط إمبراطوريات كبرى عبر التاريخ، من أثينا القديمة إلى بريطانيا الحديثة

ويعتبر أن الولايات المتحدة تسير في هذا المسار، وأن حرب ترامب ضد إيران قد تتحول إلى واحدة من تلك المغامرات الفاشلة التي أسهمت في إسقاط إمبراطوريات كبرى عبر التاريخ، من أثينا القديمة إلى بريطانيا الحديثة، وغالبًا ما تقف خلفها قيادات تعكس اختلالات أعمق داخل النخبة الحاكمة.

ويحذّر الكاتب من أن مثل هذه الحروب، حتى لو حققت نجاحات عسكرية تكتيكية، فإنها تفرض كلفة باهظة، وتُضعف التحالفات، وتكشف حدود القوة الإمبراطورية. فمع انتهاء القتال، تظهر النتائج الحقيقية: تآكل النفوذ، وتصاعد الفوضى الدولية، وتراجع المكانة الاقتصادية.

ويستعرض التقرير أمثلة تاريخية بارزة، منها هزيمة أثينا في صقلية عام 413 قبل الميلاد، حين قاد قرار متهور إلى تدمير أسطولها وفقدان إمبراطوريتها. كما يشير إلى كارثة البرتغال في المغرب عام 1578، التي أضعفتها ومهّدت لهيمنة إسبانيا عليها، إضافة إلى إخفاقات إسبانيا في شمال أفريقيا مطلع القرن العشرين، والتي أسهمت في زعزعة استقرارها الداخلي وصعود الحكم الديكتاتوري.

ماكوي: هذه الحروب تفرض كلفة باهظة، وتُضعف التحالفات، وتكشف حدود القوة الإمبراطورية. فمع انتهاء القتال، تظهر النتائج الحقيقية: تآكل النفوذ، وتصاعد الفوضى الدولية، وتراجع المكانة الاقتصادية

أما المثال الأبرز، وفق ماكوي، فهو أزمة السويس عام 1956، التي كشفت تراجع بريطانيا كقوة عالمية بعد تدخل عسكري فاشل في مصر، أدى إلى فقدان هيبتها وتسريع نهاية إمبراطوريتها.

وبالعودة إلى الحاضر، يرى الكاتب أن الحرب على إيران تحمل سمات مشابهة. فعلى الرغم من الضربات الأمريكية والإسرائيلية المكثفة، تمكنت طهران من قلب المعادلة عبر إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى أزمة طاقة عالمية وضغط اقتصادي واسع. ويؤكد أن هذا النوع من الردود غير المتكافئة يبرز حدود القوة الأمريكية، حيث تستطيع واشنطن تحقيق تفوق عسكري، لكنها تعجز عن تحقيق أهداف استراتيجية حاسمة.

ويضيف أن عزلة الولايات المتحدة تتزايد، إذ رفض حلفاؤها دعم الحرب، بينما تتعرض لانتقادات دولية حادة بسبب تصعيدها. وفي المقابل، تبدو قوى منافسة مثل الصين أكثر استقرارًا في نظر كثيرين، ما يعزز التحول نحو نظام عالمي جديد.

ويخلص ماكوي إلى أن الولايات المتحدة، حتى لو دمّرت بنية إيران التحتية أو توصلت إلى تسوية تحفظ ماء الوجه، تكون قد خسرت الحرب فعليًا وفق المعايير الاستراتيجية الأهم. فكما حدث مع إمبراطوريات سابقة، قد تؤدي هذه المغامرة العسكرية إلى تسريع تراجع الهيمنة الأمريكية، والدفع نحو نظام دولي أكثر اضطرابًا وغموضًا بعد نهاية “السلام الأمريكي”.

القدس العربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *